البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« سبتمبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30          
التغذية الإخبارية

الحلقة 13 : الحلم

 Image associée


ابتداء من اول ايام شهر رمضان الابرك بدأت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وسأعيد نشر كل حلقة في اليوم الموالي على موقعي الالكتروني لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة -وعلى من اراد قراءة اخلاقيات السنة الماضية فليرجع الى موقعي خلال شهر يونيو-. وقد نشرت جريدة العلم يوم 15 رمضان 1440 الموافق ل 21 ماي 2019 في الصفحة الثالثة الحلقة 13 من هذه الاخلاقيات والتي تتحدث عن خلق الحلم الذي هو خلق الانبياء، وهذا نصها :


الحلقة 13 : الحلم

الحلم هو خلق الانبياء وهو من أخلاق الدين الإسلامي، ويعني الحلم أن يقوم الشخص بالتزام ضبط النفس في أشد حالات حزنه أو غضبه. كما يعني الحلم ان لا يرد صاحب الحق التصرف السيء من الأشخاص تجاهه بالسوء فان الشخص الحليم يمكنه ان يرد الاساءة بمثلها ولكنه يضبط نفسه ولا يقوم بذلك بسبب انه يقوم باستشارة عقله كما انه يقوم بمراعاة الله تعالى في تصرفاته. وقد فسر العلماء خلق الحلم بأنه هو قدرة الشخص على كظم غيظه والتحكم في غضبه وذلك امام معصية أو مخالفة الشخص الذي يواجهه مع كامل مقدرته على الرد واتخاذ التصرف المناسب.قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في بيان معنى الحليم : 'الحليم هو الذي يُشاهد معصية العُصاة، ويرى مخالفة الأمْر، ثم لا يَستفزُّه غضبٌ، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المشاركة إلى الانتقام، مع غاية الاقتدار'.

 

الحلم في القرآن

 وقد جاء في القرآن الكريم ما يتحدث عن صفة الحلم في قول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود الآية 75. كما وصف الله تعالى إسماعيل عليه السلام بالحلم في قوله تعالى : (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) الصافات الآية 101. وقد وصف الله تعالى من يتميزون بخلق الحلم بقوله : (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الفرقان الآية 63.

 

حلم الله

الحليم اسم من أسماء الله، وصفة الحلم من صفاته، فكم من الأخطاء والمعاصي والزلات ونكران النعم يرتكبها ابن آدم ومع ذلك تجد رباً غفوراً حليماً منعماً يتجاوز عن السيئات ويقبل التوبة ويزيد في الحسنات ويترك الفرصة تلو الفرصة لعباده ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ كما قال سبحانه : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)  النحل الآية61، وقال أيضا : (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يونس الآية11.

عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال : 'أتى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير هرم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدعم على عصا -أي متكئًا على عصا- حتى قام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، لم يترك داجة ولا حاجة إلا أتاها، لو قُسِّمَت خطيئته على أهل الأرض لأوبقَتْهم -لأهلكَتْهم- أَلَهُ من توبة؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "هل أسلمت؟". قال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم : "تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك كلهن خيرات". قال : وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام : "نعم، وغدراتك وفجراتك". فقال : الله أكبر، الله أكبر. ثم ادعم على عصاه، فلم يزل يُردِّد : الله أكبر، حتى توارى عن الأنظار' صحَّحه الألباني.

 وحلم المولى سبحانه ليس بعدم علمه بما يعمل عباده، بل هو العليم الحليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، يقول تعالى : (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) الأحزاب من الآية 51، ويقول تعالى : (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) إبراهيم الآية 42.

 

حلم الرسول

 بلغ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قمَّةَ هذا الخُلق العظيم، وذروة هذا الأدب الرفيع، ونَعرض لهذا الموقفِ الذي يُبيِّن حِلمَه صلى الله عليه وسلم، وسَعة صدْره؛ فعن أنس بن مالك قال : كنتُ أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدرَكَه أعرابيٌّ فجذبه بردائه جذبة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَت بها حاشية البُرد؛ من شدة جذْبته، ثم قال : يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أَمَر له بعطاء.

 أرأيتَ إلى هذا الحِلم العظيم، والأدب الجمِّ، الأعرابيُّ يتطاول على الرسول بيده فيجذبه هذه الجذبة العنيفة، التي جعلَت رقبة النبي صلى الله عليه وسلم تحمرُّ، وَيتطاول عليه بلسانه، فيقول له : احمِل لي على بعيريَّ هذين مِن مال الله الذي عندك؛ فإنك لا تحمل لي مِن مالك، ولا مِن مال أبيك، ولكن حِلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّسع لمثل هذه المواقفِ التي تَطيش فيها عقولُ ذوي الألباب، ويقول للأعرابي في هدوء وأناة : "المال مال الله، ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلتَ بي"، ويرفض الرجل أن يقتصَّ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يجذبه كما جذبه، ويبتسم الرسول للأعرابي؛ لأنه ما أراد حقيقة القصاص؛ وإنما أراد أن يُنبِّهه إلى خطأ ما فعَل، ولا يكتفي النبي بحِلمه؛ إنما يمنحه ما طلب، فيأمر أحدَ الصحابة أن يحمل له على بَعيريه؛ على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا.

 كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التحلِّي بهذا الخُلق الفاضل في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة؛ فعن سهل بن معاذ، عن أبيه؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : "مَن كَظَم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاهُ اللهُ يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره مِن أيِّ الحُور العين شاء"؛ رواه أبو الدينا في ذم الغضب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، آواه الله في كنَفِه، وسَتَر عليه برحمته، وأَدخلَه في محبَّته: مَن إذا غضب فَتَر" رواه الحاكم.

 

الحلم صفة الاتقياء

ومما وَرَد مِن بعض الرجال الذين اتَّصَفوا بهذا الخُلق الرفيع والأدب الجمِّ : أنَّ رجلًا سبَّ الأحنفَ بن قيس وهو يُماشيه في الطريق، فلما قرُب مِن المنزل، وقف الأحنف بن قيس وقال : يا هذا، إن كان بقي معك شيء، فقُله ها هنا؛ فإني أخاف إنْ سمعَك فتيانُ الحيِّ أن يؤذوك.

 

- قال علي رضي الله عنه:  'من لانتْ كلمتُه، وجبتْ محبَّتُه، وحِلْمك على السفيه، يكثر أنصارك عليه'. وقال ايضا : 'ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك'.

 

- وقيل لقيس بن عاصم  : ما الحِلم؟ قال : 'أن تصِل مَن قطعك، وتعطي مَن حرَمك، وتعفو عمَّن ظلمك'.

 

- قال الحسن رضي الله عنه : 'المؤمن حليم لا يَجهَل وإنْ جَهِلَ الناسُ عليه'، وتلا قوله تعالى:  (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الفرقان : 63.

 

- شتم رجلٌ الشعبيَّ، فقال له : 'إنْ كنتَ صادقًا فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذبًا فغفر الله لك'.

 

- أسمعَ رجلٌ عمرَ بن عبد العزيز بعضَ ما يكره، فقال : 'لا عليك؛ إنما أردتَ أنْ يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليومَ ما تناله مني غدًا، انصرف إذا شئتَ'.

 

سلبيات ضعف الحلم

 إن لضعف الحلم وسرعة الغضب آثاراً خطيرة على المرءِ نفسه وعلى الآخرين من ذلك الإصابة الجسدية والنفسية بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وقرحة المعدة وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص. ومن الآثار أيضاً انتشار المشاكل وكثرة الجرائم؛ فكم من جريمة أزهقت فيها الأرواح وسالت الدماء بسبب العجلة والغضب وعدم الحلم.

وكم ضاع من خير وأجر وفضل بسبب قلة الحلم وسرعة الغضب، وكم حلّت من مصيبة ودمار وهلاك بسبب ذلك، وبسبب لحظات غضب قطعت الأرحام، ووقع الطلاق وشرد الأطفال، وتهاجر الجيران، وتعادى الإخوان، وقامت بين الدول الحروب وحل الظلم وسادت الفوضى، وإذا كانت الحاجة تدعو إلى الحلم والأناة في كل حال في هذه الحياة الدنيا، فهي في زمن الشدائد والفتن أحرى وأولى، ففيها تطيش العقول، وتضطرب القلوب، وتختل المواقف، ولا يسعف المرء إلا التثبت والأناة والحلم والرفق وإتباع الحق.

 فالعجلة والتسرُّع والغضب المذموم قد يزيد من انتشار الشرّ وزيادة المنكر وذهاب الأمن وحلول المصائب وظهور العداوات وبالتالي يخسر المسلم دينه ودنياه وآخرته بسبب لحظة عابرة أو موقف تافه أو سلوك لا يدرك خطورته ولا يستوعب عواقبه ولا يقدر نتائجه. 

إن الحلم يحتاج إليه ربّ الأسرة في منزله، والتاجر في محل تجارته، والعالم في مجلس علمه، والمعلم داخل فصله مع طلابه، والقاضي في محكمته، والرئيس في سياسة رعيته، بل يحتاج إليه كل إنسان ما دام الإنسان مدنيَّاً بالطبع، ولا يمكنه أن يعتزل الناس جملة، ويعيش في وحدة مطلقة.

ما أحوجَنا إلى التحلِّي بهذا الخُلق الفضيل، والسلوك القويم؛ حتى نكُون مِن الذين يُنعم عليهم الخالق عز وجل بالثواب العظيم، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال : "إذا جمَع اللهُ الخلائقَ، نادى منادٍ أين أهل الفضل؟ قال : فيقُوم ناس، وهم يسير، فينطلقون سراعًا إلى الجَنَّة، فتتلقَّاهم الملائكة فيقولون ما فضْلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلِمنا صَبرْنا، وإذا أُسيءَ إلينا حَلمْنا، فيقال لهم : ادخلوا الجَنَّة، فنعم أجر العاملين".

 

فتخلقوا بالحلم ومارسوه سلوكاً في الحياة واستشعروا ثمرته وفضله في الدنيا والآخرة وقدروا الأمور ولا تتسرعوا في الخوض فيما ليس لكم به علم واحفظوا دمائكم وأعراضكم وأموالكم تسعدوا في دنياكم وآخرتكم فرُبَّ كلمةٍ بدون وجه حقٍ تُورث صاحبها ذلاً، وُربَّ كلمة تورثه عِزَّاً وكذلك المواقف والسلوكيات والتصرفات فأحسنوا إن الله يحب المحسنين. ورُبَّ حلم في لحظة وصبر يُورثك عزاً في الدنيا والآخرة.

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.