البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« يونيو 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية

الحلقة 12 : التواضع

 Résultat de recherche d'images pour

 

ابتداء من اول ايام شهر رمضان الابرك بدأت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وسأعيد نشر كل حلقة في اليوم الموالي على موقعي الالكتروني لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة -وعلى من اراد قراءة اخلاقيات السنة الماضية فليرجع الى موقعي خلال شهر يونيو-. وقد نشرت جريدة العلم يوم 14 رمضان 1440 الموافق ل 20 ماي 2019 في الصفحة الرابعة الحلقة 12 من هذه الاخلاقيات والتي تتحدث عن خلق هو من اعظم الاخلاق الكريمة والشمائل الحميدة التي يتحلى بها المسلم، انه خلق التواضع، وهذا نصها :

 

الحلقة 12 : التواضع

 فلا شك أن خُلق التواضع من أعظم الأخلاق الكريمة والشمائل الحميدة التي يتحلى بها المؤمن الكريم الشهم فيضفي على إخوانه المسلمين المحبة والمودة والألفة ويرضي ربه ويقتدي برسول الله  صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين.

والتواضع أعظم نعمة أنعم الله بها على العبد وهو صفة محمودة وسبيل لنيل رضا الله سبحانه وتعالى، وقد جعل الله سبحانه وتعالى سنّة جارية في خلقه أن يرفع المتواضعين لجلاله، وأن يذل المتكبرين المتجبرين.

   

 معنى التواضع :

 التواضع في اللغة هو التذلل، والتواضع عند علماء الأخلاق هو لين الجانب والبُعد عن الاغترار بالنفس؛ حيث قالوا إنّ التواضع هو اللين مع الخلق والخضوع للحق وخفض الجناح.

   

 التواضع في القرآن الكريم :

 لم ترد كلمة التواضع بلفظها في القرآن الكريم، إنّما وردت كلمات تشير إليها وتدل عليها؛ قال الله تعالى :  (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) الفرقان من الآية 63. قال القرطبي (هوناً) الهون مصدر الهين، وهو من السكينة والوقار. وفي التفسير يمشون على الأرض حُلماء متواضعين يمشون في اقتصاد. كما قال ابن كثير: أي بسكينة ووقار من غير تجبُّر ولا استكبار، لقول الله تعالى : (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) الإسراء الآية37، قال القرطبي هذا نَهي عن الخيلاء وأمر بالتواضع، والمرح شدة الفرح وقيل التكبر في المشي، وقيل تجاوز الإنسان قدره.

 

 وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنّه خرج على قومه في زينته وأنّ الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وقال  تعالى : (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان الآية 18، قال ابن كثير: لا تتكبّر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تفلت أعناقها من رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر. (وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً)، أي متكبّراً جبّاراً عنيداً، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال تعالى : (إنّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ)، أي مختال مُعجَب بنفسه فخور على غيره .

   

 تواضع الرسول :

 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس تواضعاً خافضاً لجناحه رحيماً بأصحابه فقد كان يمشي في حاجة الوليدة السوداء وكان يركب الحمار ولما فقد خادمة المسجد حزن وقصد قبرها فصلى عليها وكان يباشر الفقراء والمساكين ويخالط الأعراب لأجل تعليمهم وإرشادهم ويسلم على الصبيان. وكان متواضعاً في طعامه وهيئته ومسكنه يأكل على الأرض ويفترش الحصير ويتوسد الرمل ليس له حاجب يمنع الناس عنه وبالجملة فقد كانت حاله كحال المساكين المتواضعين المتذللين ليست كحال الملوك الجبارين المتغطرسين.

قالت أمنا عائشة رضي الله عنها في تواضُع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ومع زوجاته : 'كان بَشَرًا مِنَ البَشَرِ؛ يَفْلِي ثَوْبَهُ ويَحْلُبُ شَاتَهُ' . وكان صلى الله عليه وسلم يُدخل السرور إلى قلوب زوجاته أُمّهات المؤمنين ما وجد إلى ذلك سبيلًا، كما كان صلى الله عليه وسلم يُكرمهنّ وينزلهنّ مكانتهنّ. وقد دعا صلى الله عليه وسلم إلى التواضع، وحَثَّ عليه بقوله : "إنَّ اللهَ أوْحَى إِلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحدٌ على أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أحدٌ على أَحَدٍ"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تُبيِّن ما لفضيلة التواضع من أثر كبير في حياة الإنسان وفي تعامله مع الآخرين.

 

اماكن التواضع :

 التواضع يكون في أشياء عديدة ومنها  :

 1- تواضع العبد عند أمر الله امتثالاً وعند نهيه اجتناباً .وقال ابن القيم رحمه الله : 'فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء هرباً من العبودية، وتتوقف عند نهيه طلباً للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه  فقد تواضع للعبودية' .

 

2- تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه .حيث قال ابن القيم أيضا : 'فكلما شمخت نفسُه : ذَكَر عظمة الرب تعالى، وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخْبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس - أي يستلزم التواضع لأمر الله ونهيه، وقد يتواضع لأمر الله ونهيه من لم يتواضع لعظمته-، والمتواضع حقيقة  من رزق الأمرين'.

 

3- التواضع في اللباس والمشية: عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجل يجرُّ إزاره من الخيلاء خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة"، رواه البخاري.

 

وفي رواية أخرى : " بينما رجل يمشي في حلُّة تعجبه نفسه مرجِّل جمُّته إذ خَسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة". يتجلجل : ينزل في الأرض مضطرباً متدافعاً، مرجل جمته : الترجيل هو تسريح الشعر ودهنه، والجمة : هي الشعر المتدلي من الرأس إلى المنكبين .

 

4- التواضع مع المفضول فيعمل معه ويعينه :  عن البراء بن عازب قال : 'كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ولقد رأيته وارى التراب بياض بطنه يقول : 'لولا أنت ما اهتدينا نحن ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل سكينة علينا إن الألى وربما قال الملا قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا أبينا يرفع بها صوته' رواه البخاري  ومسلم .

 

5- التواضع في التعامل مع الزوجة وإعانتها : عن الأسود قال : 'سألتُ عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكون في مهنة أهله - تعني : خدمة أهله - ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة'، رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر :وفيه : الترغيب في التواضع وترك التكبر، وخدمة الرجل أهله .

 

6-التواضع مع الصغار وممازحتهم : عن أنس رضي الله عنه قال : ' كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس خلُقاً، وكان لي أخ يقال له  أبو عمير  - قال : أحسبه فطيماً - وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير ما فعل النغير'.  رواه البخاري ومسلم.

 

قال النووي : النُّغيْر  وهو طائر صغير، والفطيم بمعنى المفطوم.

 

وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدّاً منها : ملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من حسن الخلُق وكرم الشمائل والتواضع .

 

7-التواضع مع الخدم والعبيد : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه وليَ حرَّه وعلاجَه". رواه البخاري  ومسلم

 

ومعنى " ولي حرَّه وعلاجه " : أي عانى مشقة صُنع الطعام والقيام على تقديمه، وفي رواية مسلم " وليَ حرَّه ودخانه".

   

أمور ووسائل تعين على التواضع :
إن هناك أمور ووسائل تحمل المرء على التواضع وتعينه على ذلكن منها :
1- أن يفكر العبد في أصل جوهره وحقيقته التي خلق عليها وأنه من تراب طبيعتها السكون والتذلل فلا يليق به التكبر.
2- أن يتأمل في عجزه وفقره لله وحاجته لعطاء الله وهذا يدل على أن حاله لا تصلح للكبر والتكبر.
3- أن يتأمل في نقص طبيعته واعترائها مظاهر الذم فهو يحمل الفضلات في جوفه ويعتريه الخوف والمرض وغيره من مظاهر النقص البين ومن كانت هذه حاله كان التواضع هو اللائق به.
4- أن يفكر في صفة الله وغناه المطلق وصفة قدرته وعلمه الواسع وأن الكبر والخيلاء من أعظم صفاته فلا يليق للبشر أن ينازعوا الله في شيء من صفاته.
5- أن يتدبر في حاله في الدنيا وأنه مفارقها عما قريب وراحل عنها إلى قبر مظلم لا أثاث فيه ولا متعة بل يساكنه الدود وهوام الأرض ثم يقوم يوم القيام عارياً متجرداً من كل شيء فلم الفخر والخيلاء والتكبر على ماذا.
6- أن يتدارس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين وصحابته الكرام والأئمة الصالحين الذي عرفوا بالتواضع والسكون.
7- أن يصاحب الفقراء والمساكين أحياناً والأولياء الصالحين الذين تواضعوا لله ولم تغيرهم المظاهر والمفاخر فإن صحبتهم تسكن النفس وتذللها في طاعة الله وتجعل المرء هيناً ليناً مع إخوانه المسلمين. ولا يداوم على صحبة الأغنياء وأهل الدنيا والرئاسات فإن ملازمة صحبتهم تكسب النفس علواً وفخراً وتحمل المرء على الترفع على عباد الله وازدرائهم.
8- يستحب لمن وجد في نفسه الكبر والتعالي أن يباشر بنفسه الأعمال اليسيرة التي تكسر نفسه وتذللها وتذهب عنها العلو كالخروج إلى الأسواق الشعبية ومخالطة المساكين وحمل المتاع وتنظيف البيت ومعاونة الأهل ومساعدة الضعفاء في أمورهم الخاصة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه الشريفة أعمال المنزل ويعين زوجاته فيخصف نعله ويغسل ثوبه. قال عروة بن الزبير رضي الله عنهما : 'رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ينبغي لك هذا. فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين القبائل بأمرائها وعظمائها دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها'. 
9- الابتعاد أحياناً عن مظاهر الشهرة والترف التي تؤثر في النفس والخروج أحياناً بالمظاهر البسيطة والمتواضعة فإن ذلك له أثر عظيم في تهذيب النفس.

   

ثواب التواضع :

 عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله". رواه مسلم وبوَّب عليه النووي بقوله " استحباب العفو والتواضع.

 

قال النووي  :

 قوله صلى الله عليه وسلم : " وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " : فيه وجهان : أحدهما : يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه .

 

والثاني : أن المراد ثوابه في الآخرة, ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا .

 

قال العلماء : وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة.


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.