البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« أكتوبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
التغذية الإخبارية

الحلقة 6 : الورع

 Image associée

ابتداء من اول ايام شهر رمضان الابرك بدأت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وسأعيد نشر كل حلقة في اليوم الموالي على موقعي الالكتروني لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة -وعلى من اراد قراءة اخلاقيات السنة الماضية فليرجع الى موقعي خلال شهر يونيو-. وقد نشرت جريدة العلم يوم 07 رمضان 1440 الموافق ل 13 ماي 2019 في الصفحة الثالثة الحلقة السادسة من هذه الاخلاقيات والتي تتحدث عن خلق يعتبر ركيزة من ركائز المسلم العابد انه خلق الورع، وهذا نصها :

 

الحلقة 6 : الورع

حثّ الإسلام العبد بأن يلتزم بالأخلاق الحميدة سواء كان ذلك في العقيدة او العبادات او المعاملات، ومن بين هذه الاخلاق التي تعتبر ركيزة من ركائز المسلم العابد خلق الورع، والورع رتبة من الصعب نيلها إلا إذا تحقق مفهوم الإخلاص. وإنّ غياب مفهوم الورع ساهم في انتشار الفساد في الأرض، وضلال الإنسان وانحرافه نحو تحقيق مآربه الشخصيّة، وانتشار الفواحش، وغياب البركة في الأرزاق.

 

تعريف الورع

الورع في اللغة العفة وهي الكف عن ما لا ينبغي ويقال تورع أي تحرج.

وفي الاصطلاح الشرعي ترك ما يريبك ونفي ما يعيبك والأخذ بالأوثق وحمل النفس على الأحوط، والورع اجتناب الشبهات ومراقبة الخطرات، ولا ريب أن تطهير النفس من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق والمقصود أن الورع يطهر دنس القلب ونجاساته، كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته.

ويعرف الورع شرعاً على أنّه ليس فحسب الكف عن المحارم، بل أيضاً الكف عن الكثير من المباح والمستحبات خشية الوقوع في الحرام، ويعرف الورع اصطلاحاً بترك ما يريب، ونفي ما يعيب، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق، وقد عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه ترك ما يخاف الإنسان عاقبته، وهو ما يعلم تحريمه او ما يشك في تحريمه، ولذا فأن الورع في المصطلح الديني يشير إلى حالة تنطلق من النفس، بحيث يشعر الإنسان بصعوبة الإتيان بمثل هذا القول أو الفعل فلا يقدم عليه خشية لله عز وجل، واستشعارا لنعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، او محبة لله سبحانه وتعالى نابعة من قلب المؤمن، او يستحضر موقف من مواقف الآخرة، كنعم الله للطائعين وعقاب الله للعاصين فتضعف لديه نوابغ المعصية لوضوح الصورة القبيحة للعاصين والجميلة للطاعات، ولهذا الأثر الكبير في سلوكيات الإنسان وحسن تعامله مع الناس كافة باختلاف أجناسهم أو أعراقهم أو حتى معتقداتهم الدينيّة، وهو الهدف الراسخ للدين الإسلامي والتطبيق العملي لمنهجه.

 

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع في هذا الحديث فقال : "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه"، فهذا يعم الترك لما لا يعنيه من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة.

وروى الترمذي مرفوعا : "يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس".

هناك مسألة مهمة جدا في الورع وهي قضية العلم، لأنه لا يمكن التورُع بدون علم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاما مهما في هذا، قال : 'تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، فقد يدع الواجبات ويفعل المحرمات ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعا- فيأتي مثلا جيش من المسلمين أميره لا يمكن تغييره وعنده فسق وهو في جهاد يقاتل الكفرة فجاء أحدهم فقال أنا أتورع أن أجاهد وراء هذا الفاسق، ماذا سيحصل؟ يجتاح العدو البلد وتقع الهزيمة في المسلمين. وأحدهم مات أبوه وعنده أموال مشبوهة وعليه ديون، فلما جاء الناس يطالبون حقوقهم فقال الابن : أنا أتورع أن أقضي ديون أبي من الشبهة فهذا الورع فاسد وهذا الإنسان جاهل، فالجهل يجعل بعض الناس يتركون واجبات بزعم الورع-، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة- غير مكفرة- أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة العباد وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع'.

-وقال ايضا : هو الورع عمّا قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه وما يشكّ في تحريمه، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله، وكذلك الاحتيال بفعل ما يشكّ في وجوبه لكن على هذا الوجه.

-وقال ابن القيّم:  ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.

 

قال المناويّ: الورع ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النّفس على الأشقّ.

وقال الكفويّ: الورع هو الاجتناب عن الشّبهات سواء كان تحصيلا أو غير تحصيل؛ إذ قد يفعل المرء فعلا تورّعا، وقد يتركه تورّعا أيضا، ويستعمل بمعنى التّقوى، وهو الكفّ عن المحرّمات القطعيّة.

 

الورع والعبادة

هنالك علاقة كبيرة بين الورع والعبادة، فالعبادة مقترنة بالورع، وذلك من خلال عكس مفهوم العبادة في المعاملات مع الله سبحانه وتعالى ومع الافراد، وفي هذا الصدد علينا أن نتجنب الخلط بين مفهومي الورع والتشدد، فالورع هو ترك ما لا بأس به حذراً مما به من بأس، كترك بعض المباحات أو التقليل منها لتهذيب النفس ولتقوية الوازع الداخلي، وأمّا التشدّد فهو تحريم الحلال او ترك الحلال بصفة التعبد بما هو ليس بعبادة، ومن الورع حجز اللسان عن قول الزور والخوض في إعراض الناس، ومنع القلب من سوء الظن بالآخرين أو ظلمهم، وكف الإنسان عن إيذاء الآخرين أو إلحاق الضرر بهم.

 

الورع في المحرمات والمكروهات

ومن القواعد في الورع ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال : 'الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع'، وقال رحمه الله أيضا : 'أما الورع فإنه الإمساك عما يضر-عن المحرمات- أو قد يضر-الشبهات-، فتدخل فيه المحرمات والشبهات، لأنها قد تضر فإنه من اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجهل وظلم وذلك يتضمن ثلاثة أقسام لا يُتورع عنها : المنافع المكافئة والراجحة والخالصة، كالمباح المحض أو المستحب أو الواجب، فإن الورع عنها ضلالة'.

 

أنواع الورع ودرجاته

قسّم الرّاغب الأصفهانيّ الورع إلى ثلاث مراتب :

1- واجب : وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للنّاس كافّة.

2- مندوب : وهو الوقوف عن الشّبهات، وذلك للأواسط.

3- فضيلة : وهو الكفّ عن كثير من المباحات والاقتصار على أقلّ الضّرورات، وذلك للنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.

وقال الشّيخ أبو إسماعيل الهرويّ رحمه الله تعالى : الورع على ثلاث درجات :

الدرجة الأولى : تجنّب القبائح لصدق النّفس، وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان.

الدّرجة الثّانية : حفظ الحدود عند ما لا بأس به، إبقاء على الصّيانة، والتّقوى، وصعودا عن الدّناءة، وتخلّصا عن اقتحام الحدود.

الدّرجة الثّالثة : التّورّع عن كلّ داعية تدعو إلى شتات الوقت والتّعلّق بالتّفرّق .

 

مظاهر الورع

للورع مظاهر عديدة تختلف باختلاف أعضاء الإنسان الّتي يتصوّر استخدامها في أغراض الدّنيا، كما تختلف باختلاف العلاقات الإنسانيّة الّتي قد تتعارض فيها الرّغبات، وتختلف المصالح، وقد قسم ابن أبي الدّنيا الورع إلى أبواب وهي :

الورع في النّظر، الورع في السّمع، الورع في الشّمّ، الورع في اللّسان، الورع في البطش، الورع في البطن، الورع في الفرج، الورع في السّعي، واخيرا

الورع في الشّراء والبيع.

 

 فوائد الورع

للورع فوائد كثيرة ترقى بالعبد المسلم الى درجات عليا، ومن بينها :

- يحقّق للمؤمن راحة البال، وطمأنينة النّفس

- يكف العبد عن الحرام والبعد عمّا لا ينبغي

- الورع يحبّه الله ويحبّه الخلق

- الورع يستجاب دعاؤه

- إشاعة الورع في اي مجتمع يجعله مجتمعا صالحا نظيفا.

- الورع من أعلى مراتب الإيمان، وأفضل درجات الإحسان.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.