البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« مايو 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  
التغذية الإخبارية

الحلقة 5 : الزهد

 Image associée


ابتداء من اول ايام شهر رمضان الابرك بدأت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وسأعيد نشر كل حلقة في اليوم الموالي على موقعي الالكتروني لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة -وعلى من اراد قراءة اخلاقيات السنة الماضية فليرجع الى موقعي خلال شهر يونيو-. وقد نشرت جريدة العلم يوم 05 رمضان 1440 الموافق ل 11 ماي 2019 في الصفحة الثالثة الحلقة الخامسة من هذه الاخلاقيات والتي تتحدث عن خلق يقود الى انصراف القلب والنفس عن طلب الدنيا والرغبة في متاعها وملذاتها انه الزهد، وهذا نصها :


الحلقة 5 : الزهد

نتناول في هذه الحلقة خلقا يقود الى انصراف القلب والنفس عن طلب الدنيا والرغبة في متاعها وملذاتها، إلى طلب الآخرة والجنة والرغبة في نعيمها وحصول السعادة الأبدية فيها، لأن الآخرة أبقى من الدنيا، انه الزهد. والزهد يرقّق القلوب ويزيدها خشية وخضوعًا لله.

 

معنى الزهد

الزهد لغة هو القلة في كل شيء، والشيء الزهيد هو القليل، وإنسان مزهد أي قليل المال، والزهيد هو قليل المطعم، والزهد ضد الرغبة، ففلان يزهد في الشيء أي يرغب عنه، اما اصطلاحا فهو العزوف عن الدّنيا ومتاعها وملذّاتها باعتبارها أمراً زائلاً، والرّضا بالقليل منها والقناعة بدون تكلّف، فيُقال الرّجل زاهد أي ورع، وصغرت الدّنيا في نظره فهانت عليه فلم يكترث لها، وعظمت الآخرة في نظره وفكره واعتقاده، فأعطاها جلّ اهتمامه وعزيمته.

  

الزهد عند السلف

- قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : 'الزهد على ثلاثة أوجه : الأول : ترك الحرام، وهذا زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال الشيء الزائد عن الحد، تركته هذا من الزهد، وهذا زهد الخواص، لكن أعلى مرتبة في الزهد : ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين'.

- ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن، أو غيره : 'ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك ـ

- وقال الفضيلُ بن عياض : 'أصلُ الزُّهد الرِّضا عَنِ الله عز وجل، وقال : القنوع هو الزهد، وهو الغنى'.

- وسئل الزهري عن الزاهد فقال : 'من لم يغلب الحرامُ صبرَه، ولم يشغل الحلالُ شكره، وهذا قريبٌ ممَّا قبله، فإنَّ معناه أنَّ الزاهد في الدُّنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلالٌ لم يشغَلْهُ عَنِ الشُّكر، بل قام بشكرِ الله عليه'.

- قال أبو سليمان : 'ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا واستراح منها، إنما الزاهد من زهد في الدنيا، وتعب فيها للآخرة'.

 

المفهوم السلبي للزهد
فالزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباءة، لكن يوجد معنى دقيق جداً هو أنك بإمكانك أن تطعم الفقراء، وتؤوي المشردين، وتزوج الشباب، وتنفقه في تعليم القرآن، وحل مشكلات الناس، فإذا زهدت بمال حلال يمكن أن يكون قوة لك في الآخرة، وإذا زهدت بمنصب يمكن أن تحق الحق فيه وتبطل الباطل ويكون نفعك عاماً.
أحياناً يكون المال قوة, والعلم قوة, والمنصب قوة، هذه مراكز قوى كبيرة جداً، والذي مكن في الأرض, متاح له أن يعمل من الأعمال الصالحة ما لا يستطيع الآخرون أن يفعلوه، فحينما تزهد في شيء من نعم الله التي تنفعك في الآخرة، وبإمكانك أن تنتفع بها في الآخرة, أنت في هذه الحالة لست بزاهد.

 

أقسام الزهد
- زهد في الحرام، وهو فرض عين.
- زهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحقت بالواجب، وإن ضعفت كان مستحباً.
- زهد في الفضول.
- وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.
- وزهد في الناس.
- وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله.
- وزهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عنه.

وأفضل الزهد إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ، والفرق بينه وبين الورع  : أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة. والقلب المتعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع .
قال يحيى بن معاذ؛ عجبت من ثلاث : رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمل لله، ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئاً، ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم، والله يدعوه إلى صحبته ومودته.

 

متعلقات الزهد

إن متعلقات الزهد خمسة أشياء، وهي:

1- المال : وليس المراد من الزهد في المال رفضه، وإنما نعم المال الصالح للعبد الصالح، فالمال قد يكون نعمة إذا أعان صاحبه على طاعة الله سبحانه وتعالى وأنفقه في رضوان الله، فعلى سبيل المثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان من أصحاب الأموال, وكان يستخدم ذلك المال في طاعة ربه، أما المال الذي يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان فإن ذلك المال يكون نقمة على صاحبه.

2- الملك والرياسة: وليس المراد من الزهد أيضا رفض الملك والرياسة، فسليمان وداود عليهما السلام كانا من أزهد الناس في زمانهما، ولهما من الملك ما أخبرنا الله عز وجل. وإنما الملك الذي يطغى صاحبه هو الذي نهى الله عنه.

3- الصورة : فليس من الزهد أن يكون الرجل أشعث أغبر، لا يحسن ما يلبس، ففي الحديث : "لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر" قال رجل : إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا, ونعله حسنة! قال : "إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال, الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس".

4- الزهد عما في أيدي الناس وعدم استشرافه أو التطلع إليه، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم : "ازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس".

5- الزهد في النفس : أي عدم عجب المرء بنفسه فيظن أنه سيخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولا، فيتكبر بمنصبه أو بما أعطاه الله من صورة على خلق الله، وإنما يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم : (واخفض جناحك للمؤمنين) الآية 88 من سورة الحجر.

 

أمور تعين على الزهد

وإن مما يعين على الزهد أمور كثيرة، منها:

- علم العبد أن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، فهي كما قال تعالى : (اعلموا انما الحياة الدنيالعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرّا ثمّ يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة مّن اللّه ورضوان وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور) الآية 20 من سورة الحديد. 

- علم العبد أن وراء الدنيا دارا أعظم منها قدرا وأجلّ، وهي دار البقاء.

- معرفة العبد وإيمانه الحق بأن زهده في الدنيا لا يمنعه شيئا كتب له منها, وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها.

 

حقيقة الزهد

وإن الزهد الحقيقي مداره على صحة اليقين بالله الرزاق، وقوة هذا اليقين، فمن كان قويّ الإيمان، صحيح اليقين، وثق بالله في أموره كلها، وأحسن التوكل عليه، وترك المزاحمة على فضول الدنيا، وانشغل بمحابّ الله تعالى من أنواع العبادة، فيما فتح الله له، من ذكر وصلاة وصدقة وعلم وتعليم ودعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونـهي عن المنكر، وجهاد في سبيل الله, فإذا انشغل المرء بذلك ورضي بما قسم الله له من نعم الدنيا، ووطّن نفسه على القناعة بما رزق منها وعلى التقلل من أمرها، في الطعام، واللباس، والمراكب، والرياسات المشتملة على حب الدنيا، والترفع فيها على الناس، ارتاح قلبه، وذلك أن الاستكثار منها مما يجلب الهمّ والغمّ.

 

فحسن التوكل على الله تعالى، وصدق اليقين به سبحانه هو عين الغنى، فمن تحقق من ذلك كان زاهدا، وكان غنيا، وإن خلت يده من فضول الدنيا.

وليس وجود المال مع المرء مانعا ومعارضا لأن يكون زاهدا في الدنيا، بل إنه يكون من الزاهدين إذا اكتسب ماله من الحلال، وأنفقه في محابّ الله، فوصل منه أرحامه، وأحسن إلى جيرانه، أو خلفه من هذا المال في أهله بخير، أو غير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهذا زهد الراشدين العالمين.

وإن من أعظم الزهد أن يستغني الإنسان عما في أيدي الناس، وأن يتعلق بالركين الشديد، وهو الله تعالى.

من أراد أن يكون عزيز النفس، محبوباً إلى الله وإلى خلقه فليقنع بما آتاه الله ولا يلهث بعد حطام الدنيا على حساب دينه وعرضه، فإن القناعة كنز لا يفنى، ولهذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا علمته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال : "ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".

جعلني الله واياكم من الذين اعتق الله رقابهم من النار في هذا الشهر الكريم، وتقبل الله جميع اعمالنا.


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.