البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« أغسطس 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
التغذية الإخبارية

الحلقة 3 : التجارة مع الله

 Image associée

ابتداء من اول ايام شهر رمضان الابرك بدأت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وسأعيد نشر كل حلقة في اليوم الموالي على موقعي الالكتروني لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة -وعلى من اراد قراءة اخلاقيات السنة الماضية فليرجع الى موقعي خلال شهر يونيو-. وقد نشرت جريدة العلم يوم 03 رمضان 1440 الموافق ل 09 ماي 2019 في الصفحة الثالثة الحلقة الثالثة من هذه الاخلاقيات والتي تتحدث عن كيفية التجارة مع الله، وهذا نصها :

الحلقة 3 : التجارة مع الله

لا يشك أي مسلم في أن أعلى أنواع التجارة هي التجارة مع الله، تجارة سلعتها الطاعات وثمنها الحسنات يُضاعَفْنَ من حسنة إلى عشر إلى سبعمائة وأكثر. والذين يجيدون هذه التجارة الرابحة هم من عرفوا الله فخشَوه، فرقَّت له قلوبُهم، ودمعت من خشيته عيونُهم، ولم تنقطع به قطُّ صلتُهم، وكان ما بينهم وبينه دائمًا عامر، وكان همهم الأول والأخير رضاه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)  فسبحان الله الذي وهبَنا ما نتاجر به معه، ثم وفقنا إلى التجارة معه، وتفضَّل علينا بها، ثم هو يُعطينا أجر تلك التجارة كأحسن ما يكون الأجر والجزاء، فهو خيرُ أجر في خير تِجارة، ثم هو يَزيدنا مِن فضله فوق أجورنا، ويضاعف لمَن يشاء.

 فلو تأمَّلنا عظيم مِنَّته وكرمه، وجزيل عطائه وفضله؛ لعلمنا كم نحن مقصِّرون في جنبه، ولعلمنا أنَّنا نتاجر معه بما وهبَنا، وأنه ليس لنا مِن أنفسنا شيء، وأن ما استحققناه مِن تجارتنا معه ليس حقًّا لنا ابتداءً وإنما كان بفضله، ولعلمنا أنه ينبغي علينا ألاَّ نكون إلاَّ في طاعته وعبادته على الدوام.

  إنَّ الله سبحانه يعلم عجزنا عن مُوافاته حقَّه، وعجزنا عن شكر ولو نعمة واحدة مِن نِعمهِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ويعلم ضعْف همتنا إلى الخير ومسارعتنا في الشر؛ فجعل لنا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف ويزيد، وادَّخر لنا في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أُذن سمعتْ ولا خطَر على قلب بشَر، وهذا معنى قوله : (شَكُور)؛ أي: يقبل القليل، ويُجازي به الكثير، وجعَل السيئة بسيئةٍ واحدةٍ، وتودَّد إلينا بقَبول التوبة، ومغفرة الذنوب، وهذا معنى قوله : (غَفُور)، فسبحانه من عَدل ٍكريم.

يقول المولى سبحانه وتعالى في محكم التنزيل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). إنها دعوة من الله سبحانه وتعالى للتجارة معه تجارة لا تخسر ولا تبور. يبيع فيها المؤمن نفسه وماله لله سبحانه، والله يشتري الأنفس والأموال من عباده المخلصين الصادقين المؤمنين، والسلعة هي الجنة "ألا إن سلعة الله  غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، وإنَّه لجزاء كبير، وفوز عظيم، يتحصَّل عليه المؤمنُ المجاهِد بنفْسه وماله في الآخرة، أمَّا في الدنيا فيبشر الله هؤلاء المخلصين بالنصر القريب منه، وإنما قال سبحانه : (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا)؛ لأنَّها غير داخلة في الفوز العظيم، وإنَّما هي مِن فوز الدنيا الذي يمتنُّ الله به على عبادِه الباحثين عن فوزِ الآخرة؛ ومن ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم : َ"من كانتِ الآخرة همَّه جعَل الله غناه في قلْبه، وجمَع له شمْلَه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة".

فعلينا أن نقدم أنفسنا وأموالنا إذا أردنا أن نتحصل على ما نبغي من رضى الله سبحانه وتعالى، ومن جنات تجري من تحتها الأنهار. ومن ذلك أيضاً قول الله سبحانه وتعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤوفٌ بِالْعِبَادِ) وقد روي أن هذه الآية نزلت في صهيب الرومي حين أقبل مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وأخرج ما في كنانته، وأخذ قوسه وقال : 'وأيم الله، لا تصلون إليَّ حتى أرمي ما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي منه شيء، ثم افعلوا بعد ذلك ما شئتم'. فقالوا له : لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً لا مال لك، ولكن دلنا على مالك لنخلي سبيلك، وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما وصل المدينة نزل قول الله سبحانه : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤوفٌ بِالْعِبَادِ) فاستقبله الحبيب صلى الله عليه وسلم قائلاً : "ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى".

وذكر أصحاب السير أن الأنصار رضوان الله عليهم لما اجتمعوا عند العقبة ليبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على أن ينصروه ويمنعوه ليسلموا له الحكم في المدينة المنورة قال له عبد الله بن رواحه رضي الله عنه : يا رسول الله، اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال عليه الصلاة والسلام : "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، فقالوا : يا رسول الله، وما لنا إن فعلنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام : "الجنة" قالوا : ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزل قول الله سبحانه : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

وقال القرطبيُّ في تفسير هذه الآية : 'ثم هي بعدَ ذلك عامَّة في كلِّ مجاهد في سبيلِ الله من أمَّة محمَّد  صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يومِ القيامة'.

     فكل من جاهد في سبيل الله فقد باع نفسه لله سبحانه، وكذلك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذين يعملون لنشر دين الله، والذين يعملون على نصرة دين الله عز وجل وإعزازه… فكل هؤلاء تعمهم الآية وينطبق عليهم أنهم ممن يبيعون أنفسهم لله.

يقول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) فذكر الصلاة والزكاة، وكذلك فإن كل عمَل في الإسلام داخلٌ في مسمَّى التجارة، ويقول سبحانه وتعالى في صِفة هؤلاء المتاجرين معه الرابحين بفضله : ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فهذه كلها مِن أنواع المتاجرة مع الله.

ومثل آخر من أفعال الصحابة الذين نصر الله هذا الدين على أيديهم، عن ابن مسعود قال : لما نزلت : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) قال أبو الدحداح : وإن الله يريد منا القرض؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم يا أبا الدحداح". قال : ناولني يدك، فناوله صلى الله عليه وسلم يده :  قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي -حائطاً فيه ستمائة نخلة- ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك. قال: أخرجي من الحائط فإني قد أقرضته لربي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح لأبي الدحداح".

إن الله نصر هذا الدين على أيدي أمثال هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمطلوب اليوم رجال كهؤلاء الأصحاب يبيعون أنفسهم لله ويشترون الجنة.

 

إن فترة هذه الصفقة مع الله جل وعلا، هي هذه الحياة التي نعيشها، والله قد قدَّر لكل واحدٍ أجلَه، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعةً ولا يستأخرون، فبعض الناس ربما جعل أول هذه الصفقة مخلَّطًا، وربما أمهل، وقال : إذا بلغت من العمر كذا وكذا، أو إذا حصل كذا وكذا، صحَّحت حالي، وهيأت وضعي، وأحسنت الصلة بالله جل وعلا، ولكن مَن يضمن له ذلك؟ فإن هذه الصفقة مجالها الحياة الدنيا، وقد تَحِل ساعة الأجل ويُستنفَد الوقت، وحينئذ يتمنى الإنسان وأنَّى له أن يصنع أو يغير؛ ولذلك قال الله جل وعلا:  (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ  أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ  أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الزمر: 53 – 58.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.