البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« مارس 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            
التغذية الإخبارية

الدنيا سجن المومن وجنة الكافر

 Image associée

 

الدنيا فانية، ومتاعها قليل، وما فيها من لذة فهي مكدّرة ولا تصفو لأحد. إن أضحكت قليلاً أبكت طويلاً، وإن أعطت يسيراً منعت كثيراً، والمؤمن فيها محبوس، ويشعر أنه في هذه الدنيا في سجن حقيقي، وعليه ان يعلم أنه مجزي على كل ما تحمله في هذا السجن، ولن يضيع عند الله سبحانه وتعالى من أجره شيئاً، وهي كذلك نصب وأذى وشقاء وعناء ولذلك يستريح المؤمن إذا فارقها، وسيجد أجوراً عظيماً وجزاء كبيراً مقابل صبره على هذا السجن الذي قيد فيه، لذلك قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِر"، رواه مسلم

 Image associée

معنى  الحديث :  

معنى هذا الحديث أن الدنيا مهما عظم نعيمها وطابت أيامها وزهت مساكنها فإنها للمؤمن بمنزلة السجن لأن المؤمن يتطلع إلى نعيم أفضل وأكمل وأعلى وأما بالنسبة للكافر فإنها جنته لأنه ينعم فيها وينسى الآخرة ويكون كما قال الله تعالى فيهم  : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) سورة محمد الآية 12، والكافر إذا مات لم يجد أمامه إلا النار والعياذ بالله فكانت له النار ولهذا كانت الدنيا على ما فيها من التنغيص والكدر والهموم والغموم كانت بالنسبة للكافر جنة، لأنه ينتقل منها إلى عذاب النار والعياذ بالله فالدنيا بالنسبة له بمنزلة الجنة، ويذكر عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله صاحب"فتح الباري؛ وكان هو قاضي قضاة مصر في وقته كان يمر بالسوق على العربة في موكب فاستوقفه ذات يوم رجل من اليهود وقال له إن نبيكم يقول : "إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وكيف ذلك وأنت في هذا الترف والاحتفاء! وهو يعني نفسه اليهودي في غاية ما يكون من الفقر والذل فكيف ذلك؟

 

فقال له ابن حجر  رحمه الله
أنا وإن كنت كما ترى من الاحتفاء والخدم فهو بالنسبة لي بما يحصل للمؤمن من نعيم الجنة كالسجن، وأنت بما أنت فيه من هذا الفقر والذل بالنسبة لما يلقاه الكافر في النار بمنزلة الجنة. فأعجب اليهودي هذا الكلام وشهد شهادة الحق. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

 

فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار مقام، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، فاحذر هذه الدنيا الغرارة الخداعة، سرورها مشوب بالحزن، فلو أن الخالق لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله عنها زاجر؟. فما لها عند الله قدر ولا وزن، ما نظر إليها منذ خلقها، ولقد عرضت على نبينا محمد مفاتيحها وخزائنها، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها الله عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها؟، ونسي ما صنع الله بمحمد عليه الصلاة والسلام حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، وعجز رأيه. قال رسول الله : "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع"، رواه مسلم

 

ان الله قد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم، وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلاً نحن نسمع ما يحصل من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار.

 

والعجائز، نسمع أشياء تبكي، فنقول سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين؟

 لا تستغرب فالله ضرب لنا أمثالاً فيمن سبق يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في بلاد المسلمين هذا رفعة درجات للمصابين، وتكفير السيئات، وهو عبرة للباقين، وهو أيضاً إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

 

وفي هذه من العِبر:  أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئاً واحداً وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومن أنكره فهو الذي يُنكر عليه.

 

فإن الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا دار اللأواء والشدة والضنك، فيها الكدر وعدم الصفو، والتعب والكدح والنصب، فهذا من طبيعتها، قال سبحانه مخبراً عن حقيقة خلقة الإنسان : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) سورة البلد الآية 4، يكابد ما في هذه الدنيا من النصب والشدة، تعتريه الهموم والأحزان والغموم، وبخلاف ذلك تميزت الجنة عن الدنيا فليس فيها هم ولا غم، فعلى الرغم مما ذكر الله للجنة من الصفات العظيمة الشريفة قال عن أهلها: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) سورة الحجرالآية 48، وقال عنهم أيضا : (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) سورة فاطر الآية 34، وهذا من حكمة الله البالغة أن جعل في الدنيا هذا الكدح والتعب والنصب، وفيها زينة ومتاع، لكن متعتها مخلوطة بهذه الغموم والهموم والأحزان، فتأمل يا عبد الله لو لم يكن في الدنيا هذا الهم والغم، وهذا النصب والمرض والتعب، كيف سيكون التعلق بها؟.

 

ولذلك فإن من رحمة الله أن جعل فيها هذه الشدائد، حتى يذكر العباد أن هنالك داراً أخرى ليس فيها هذه الشدائد، ليس فيها هموم ولا غموم.

 

فهذه الدنيا بطبيعتها، وبما يحصل فيها من ألم نفسي إن كان على شيء مضى فهو حزن، أو على شيء حاضر فهو غم، وإذا كان على شيء يخشى في المستقبل فهو هم.

 

ولذلك أهل الإيمان لما عرفوا طبيعة الدنيا لما ينشغلوا بتحصيلها كثيراً يقول أحدهم : 'إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفي، وشربت عليه الماء، فعلى الدنيا العفاء'؛ يقول هذا؛ لأن نبيه صلى الله عليه وسلم علمه : "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا'.

 

وهذا التعب للأجساد، والهم والغم والحزن للنفوس؛ يقاوم بذكر الله تعالى:  (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) سورة الرعد الآية 28.

 

الفوائد :

1- أن المؤمن في سجن في هذه الدنيا بالنسبة لما أعده الله في الجنة.

 

2- هوان الدنيا على الله وحقارتها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها".

 

3- أن الفوز الحقيقي من يفوز بالجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 

4- عدم الاغترار بالدنيا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الدنيا".

 

5- سميت الدنيا بذلك لسبقها للأخرى، وقيل :لدنوها إلى الزوال.

 

6- حرم الله الزنا وأباح الزواج، وحرم الربا وأباح البيع، وقد يُفتح لإنسان حراما حتى يكون اختبارًا وامتحانًا له.

 

7- ما وعد به المؤمن بعد الموت من كرامة الله فإنه تكون الدنيا بالنسبة إليه سجناً وما للكافر بعد الموت من عذاب الله فإنه تكون الدنيا جنة بالنسبة إلي ذلك.

 

8- المؤمن أرجح في النعيم واللذة من الكافر في الدنيا قبل الآخرة وإن كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

 

9- انها سجن المؤمن لأنه مقيد فيها بالطاعات وملزم فيها بالطاعات والابتعاد عن المحرمات وهي جنة للكافر لعدم مبالاته فيرخي الحبال ولا يبالي بالأمور والنواهي.

 

10- أنها سجن للمؤمن من باب انها رغم ما يأخذ فيها مما لذ وطاب فهي على الرغم من ذلك سجن مقارنة بما عند الله لما سيلقى من نعيم عند ربه أما الكافر فباعتبار مآله الى الله فهو في الدنيا في جنة بما ينظره عند الله.

 

11- المؤمن والكافر كل يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع، والمؤمن يسأل سؤال تذكير.

 

12- الإنسان لا بد أن يتعامل مع هذه الهموم بهدي القرآن والسنة، ويرضى بما قسم الله له وهو يقول : اللهم عرفنا نعمك بدوامها لا بزوالها'.

 

13- المعاصي من أسباب الهموم والغموم.

 

14- حلاوة الحياة في اللجوء إلى الله وعمل الصالحات.

 

15- الكافر إذا أصابته الضراء هل يصبر؟

فالجوابلا. بل يحزن وتضيق عليه الدنيا، وربما انتحر وقتل نفسه، ولكن المؤمن يصبر ويجد لذة الصبر انشراحًا.

 

16- المؤمن في خير مهما كان، وهو الذي ربح الدنيا والآخرة والكافر في شر وهو الذي خسر الدنيا والآخرة.

 

17- الكفار والذين أضاعوا دين الله وتاهوا في لذاتهم وترفهم، فهم وإن بنوا القصور وشيدوها وازدهرت لهم الدنيا؛ فإنهم في الحقيقة في جحيم، حتى قال بعض السلف 'لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف'.

 

18- المؤمنون فقد نعموا بمناجاة الله وذكره، وكانوا مع قضاء الله وقدره، فإن أصابتهم الضراء صبروا، وإن أصابتهم السراء شكروا، فكانوا في أنعم ما يكون، بخلاف أصحاب الدنيا فإنهم كما وصفهم الله بقوله : (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) سورة التوبة الآية 58.

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.