البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« مارس 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            
التغذية الإخبارية

بعض مواقف سعيد بن المسيب

 Résultat de recherche d'images pour

 

كان سعيد بن المسيب تابعيًّا جليلاً، عالمًا ورعًا، جمع بين العلم والدين والثراء، والزهد والفقه، والبعد عن الجاه والمناصب وأصحاب الدنيا

 وقد عاصر سعيدٌ عددًا من خلفاء بني أُمَيَّة (41-132 ه)، على رأسهم عبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وكانتْ له بعض الآراء والمواقف التي يُبدِي فيها استقلاله الكامل ونزاهته في الفقه والفتيا والوعظ.

 Résultat de recherche d'images pour

ونظرًا لثقة ولاة الأمور في إخلاصه ومكانته وحبِّ الناس له؛ تركوه لشأنه، فلم يقع بينه وبين أولي الأمر خلاف كبير، مع أنه كان يرفض أُعطِياتِهم، وقد رفض قبولَ ثلاثين ألف درهم، وهبات أخرى كثيرة أرسلها إليه الخليفة عبد الملك بن مروان.

 

وأكبر من هذا كُلِّه ذلك الموقف الذي يذكره التاريخ بالمجد والفخر، حين رفض أن يزوِّج ابنته من وليِّ العهد الوليد بن عبد الملك؛ لغرس قيم معيّنة في نفوس تلامذته الذين كان يربِّيهم، وكانوا عنده في موضع الأبناء والمُرِيدين، لا يبخل على فقيرهم، ولا يمنعهم علمَه وفضله في ليل أو نهار.

 

وكانسعيد بن المسيبإمام التابعين يعلم أنه ليس بدروس الوعظ وحدها، ولا بالعلم وحده يعرف حقيقة الناس، فعلمٌ دون عمل صالحٍ لا قيمةَ له، والقدوةُ بالفعل أهمُّ من كُلِّ صور البلاغة بالقول، وعظمة الأنبياء عليهم السلام وخاتمهم إمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم إنما تتجلَّى في تحقيقهم القدوة المثلى في كُلِّ ما يقولون.

 

والنفاق هو مخالفة القولِ العملَ، والعملِ القولَ، والإخلاصُ والصدقُ يتأكَّدان في التطابق بين القول والفعل؛ هكذا كان سعيدٌ ينصح الناس ويعلِّمهم.

 

وقد وقف سعيدٌ مرَّة وقفة من وقفاته تلك، وأخذ يتحدَّث إلى الناس، ويقول لهم : 'أتعرفون أن غضب الله لاحق بكم، ما ذاك إلا لأن سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم  قد ضاعتْ بينكم، والرحمة قد نُزعت من قلوبكم، وتكالبتم على حبِّ التفاخر بالأنساب والأموال، وإنَّ أحدَكم لو خُيِّر بين أن يتزوَّج من سلالة النبي أو يزوِّج لهم، أو أن يتزوَّج من أولياء الأمر وأصحاب الحكم أو يزوِّج لهم، لغلبه شيطان الدنيا وأضلَّه هواه واختار الثانية، إنِّي لأراكم تُؤثِرون لبناتكم كُلَّ ذي مال ونسب، وليس كل ذي علم وأدب، وأراكم تغالون في المهور، وتطلبون منها الباهظ، وتؤثرون الكثير منها على القليل، وفي ذلك - كما يعلم الله - انتقاص لإنسانية بناتكم المؤمنات؛ حيث تضعونهن موضع السلعة التي يُشتط في طلب ثمنها، وفي ذلك دليل على ضعف إيمانكم ومخالفتكم لأوامر نبيِّنا صلى الله عليه وسلم'.

 

واسترسل الشيخ سعيدٌ في حديثه، وانخرط في كل أسلاكه، وذهل الحاضرون من وقع هذا الكلام في نفوسهم، وانتقلوا بدَوْرهم إلى عالَم الروحانية الصافي، وطأطؤوا رؤوسهم، وبدوا وكأنهم ما أصابوا من الدنيا وما أصابت الدنيا منهم.

 

وقد كان الذين يسمعون هذا الكلام يعرفون مدى صدقه؛ فهم قد رأوا صاحبه سعيدَ بن المسيب يرفضُ زواج ابنته من وليِّ العهد، ويعرفون أنه زوَّجها لـأبي وداعةتلميذه الفقير، الذي ماتتْ عنه زوجته ولم يتزوَّج، فأعطاه سعيد ابنته بمهرٍ قيمتُه لا تزيد عن درهم وخاتم من حديد!

 

لقد حقَّق سعيدٌ -أمامهم عمليًّا- ما كان يروى عنه من مثل قوله:  'الله الله؛ إن الدنيا حقيرة، وهي إلى كُلِّ حقير أميَل وأحَب، وأحقرُ منها مَن أخذها بغيرِ حقِّها، وطلبها من غير وجهها، ووضَعها في غير سبيلها'.

 

أيها الناس:

لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلم إلا بالإنكار عليهم في قلوبكم؛ حتى لا تحبط أعمالكم، يد الله فوق الجميع، فمَن رفع نفسه ووضع غيره، خفضه الله، الناسُ تحت كنف الله يجازون بأعمالهم، فإذا أراد الله فضيحة عبدٍ، أخرجه من تحت كنفه فبدتْ للناس عورته، الله الله؛ إيَّاكم وذِكرَ الناس بما ليس فيهم، ورميَهم بما لم يفعلوا..!.'

 

لقد عاش سعيدٌ إمامًا تقيًّا، ومعلِّمًا يَمضِي على درب النبوة، ويقدِّم للناس المواقفَ العملية التي تتجسَّد فيها أخلاق تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولقد أثبت سعيد بن المسيب وجيلُ التابعين الذين عاشوا في عصر بني أُمَيَّة أنهم استمرارٌ لعصر الصحابة، وأن نهر التقوى والصلاح كان زاخرًا، وأن الذين يريدون القول بأن انتقال الأمور إلى بني أميَّة أوقف تيَّار الشرع والقيم الإسلامية إنّما يَهْرِفون بما لا يعرفون، ويركِّزون على جانب ويهملون المساحة الكبيرة الوضيئة.

 

وسيبقى في كُلِّ عصر -وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها- دعاة ثابتون عاملون فَقِهُون، ظاهرون على الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خالفهم، ورحم الله سعيد بن المسيب التابعي الجليل، الذي كانتْ حياته سلسلة من المواقف الرائعة الخالدة.

 

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.