البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« سبتمبر 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية

الحلقة 17 : حسن الظن بالآخرين

 Résultat de recherche d'images pour

 

طيلة شهر رمضان الابرك كانت جريدة العلم الغراء تنشر لي سلسلة في الاخلاقيات، وبطلب من احد الاخوة سأعيد نشرها على موقعي لكي تعم الفائدة ويقرأها من لم تتح له الفرصة في ذلك لسبب ما. وقد نشرت جريدة العلم يوم 20 رمضان 1439 الموافق ل 05 يونيو 2018 -في صفحة فسحة رمضان- الحلقة السابعة عشر من هذه الاخلاقيات، وهذا نصها :


الحلقة 17 : حسن الظن بالآخرين

إن الإسلام دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم، لأن سرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) الآية 12 من سورة الحجرات.

 ومن لطيف ما فُسرت به هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ) الأصل في المؤمن ألا يظن في أخيه سوءًا، فإن حصل وظن به سوءًا جاء بعده النهي عن الظن ( وَلَا تَجَسَّسُوا ) أي لا تتجسسوا على الذي ظننتم به السوء من أجل التثبت من ظنكم، فإن حصل وظننتم وتجسستم جاء بعد ذلك قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) يعني ظننت وتجسست وثبت الأمر لديك فاستر ولا تفضح ولا تغتب ولا تنشر سر أخيك واستر عورته عسى الله أن يستر عورتك يوم تكشف العورات.

 

فسوء الظن يؤدي إلى الخصومات والعداوات، وتقطع الصلات، قال تعالى:  ( وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) الآية 28 من سورة النجم.

  

قال الإمام الغزالي رحمه الله كلامًا نفيسًا 'اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك.... ' إلى أن يقول'.. وسبب تحريم سوء الظن أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل فعند ذلك لا يمكنك ألا تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بإذنك ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق' انتهى كلامه رحمه الله.

 

وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن سوء الظن يكون محرمًا إذا توافرت فيه ثلاث شروط :

أولها أن يكون من يُساء به الظن مسلمًا.

ثانيها أن يستقر سوء الظن في النفس وتصير التهمة التي يتهم المسلم أخاه بها شيئًا يترتب عليه أن يعامل المسلم أخاه حسبما استقر في نفسه.

 ثالثها : أن يكون المتهم الذي يساء الظن به ظاهر الصلاح والعدالة بمعنى أنه غير مرتكب لكبيرة ولا مُصِرّ على صغيرة فيما يبدو للناس، أما فيما بينه وبين الله تعالى فلا دخل للعباد فيه.


ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

 إن حسن الظن يؤدي إلى سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع فلا تحمل الصدور غلاًّ ولا حقدًا امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".


وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدًا ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة : فرِّق تَسُد  لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.

 

اعلم ان هناك العديد من الأسباب التي تعين المسلم على إحسان الظن بالآخرين ومنها :

 

1- الدعاء :

فإنه باب كل خير، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يرزقه قلبًا سليمًا.

 

2- تجنب الحكم على النيات :

وهذا من أعظم أسباب حسن الظن، حيث يترك العبد السرائر إلى الذي يعلمها وحده سبحانه، والله لم يأمرنا بشق الصدور، ولنتجنب الظن السيئ.

 

3- إنزال النفس منزلة الغير:

فلو أن كل واحد منا عند صدور فعل أو قول من أخيه وضع نفسه مكانه لحمله ذلك على إحسان الظن بالآخرين، وقد وجه الله عباده لهذا المعنى حين قال سبحانه : (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) الآية 12 من سورة النور. وأشعر الله عباده المؤمنين أنهم كيان واحد حتى إن الواحد حين يلقى أخاه ويسلم عليه فكأنما يسلم على نفسه (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ )  الآية 61 من سورة النور.

 

4- التماس الأعذار للآخرين :     

فعند صدور قول أو فعل يسبب لك ضيقًا أو حزنًا حاول التماس الأعذار، واستحضر حال الصالحين الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير حتى قالوا : التمس لأخيك سبعين عذراً.

 

وقال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل : لعل له عذرًا لا أعرفه.

إنك حين تجتهد في التماس الأعذار ستريح نفسك من عناء الظن السيئ وستتجنب الإكثار من اللوم لإخوانك.

قال الشاعر :

تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا    لعل له عذرًا وأنت تلوم


5- حمل الكلام على أحسن المحامل :

هكذا كان دأب السلف رضي الله عنهم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‘لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.‘

وانظر إلى الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي : قوى لله ضعفك، قال الشافعي : لو قوى ضعفي  لقتلني، قال : والله ما أردت إلا الخير، فقال الإمام : أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. فهكذا تكون الأخوة الحقيقية، إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجها من أوجه الخير.

  

6- استحضار آفات سوء الظن :

فمن ساء ظنه بالناس كان في تعب وهم لا ينقضي فضلاً عن خسارته لكل من يخالطه حتى أقرب الناس إليه  إذ من عادة الناس الخطأ ولو من غير قصد  ثم إن من آفات سوء الظن أنه يحمل صاحبه على اتهام الآخرين  مع إحسان الظن بنفسه وهو نوع من تزكية النفس التي نهى الله عنها في كتابه (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى( الآية 32 من سورة النجم.

 وأنكر سبحانه على اليهود:   (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) الآية 49 من سورة النساء.


إن حسن الظن بالناس يحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك، خاصة وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولا يكاد يفتر عن التفريق بين المؤمنين والتحريش بينهم، وأعظم أسباب قطع الطريق على الشيطان هو إحسان الظن بالمسلمين.


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.