البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« سبتمبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30          
التغذية الإخبارية

الغضب آداب وأحكام (الجزء الثالث والاخير : علاج الغضب 2/2)

 Afficher l'image d'origine

 

 اليوم ان شاء الله نختم هذا الموضوع -الغضب آدابه واحكامه- بتناول بقية طرق معالجة الغضب وكذلك سرد بعض الصور من هذي السلف رضوان الله عليهم عند الغضب (تجدون في اسفله الصفحة رابطي الجزئين السابقين) :

 Afficher l'image d'origine

9) أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-  قال " ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ([1])، قال ابن القيم –رحمه الله تعالى – ' أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال ' ا.هـ([2]).

وقال ابن تيمية –رحمه الله تعالى – ' ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد ' ا.هـ([3])

وقال الزرقاني -رحمه الله تعالى- ' لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ, وقد ثارت عليه شدة من الغضب, فقهرها بحلمه, وصرعها بثباته، وعدم عمله بمقتضى الغضب كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه ' ا.هـ([4])

          ليست الأحلام في حال الرضا      إنما الأحلام في حال الغضب

وعن أنس -رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-  مر بقوم يصطرعون فقال " ما هذا " ؟ فقالوا : يا رسول الله فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه. فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – " أفلا أدلكم على مَن هو أشد منه رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه " ([5]).


            ألا إن حلم المرء أكـرم نسبة       تسامى بها عند الفخار حليم

          فياربِّ هب لي منك حلما فإنني       أرى الحلم لم يندم عليه كريم

قال المسترشد بالله في وصيته لقاضيه علي بن الحسين الزينبي : 'أن يجعل التواضع والوقار شيمته, والحلم دأبه وخليقته, فيكظم غيظه عند احتدام أواره واضطرام ناره مجتنبا عزة الغضب الصائرة إلى ذلة الاعتذار' ا.هـ([6])

 

10) قبول النصيحة والعمل بها

فعلى من شاهد غاضبا أن ينصحه، ويذكره فضل الحلم، وكتم الغيظ، وعلى المنصوح قبولُ ذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما- استأذن الحر بن قيس لعيينة  فأذن له عمر فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزْل( أي العطاء الكثير)  ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى همَّ به. فقال له الحر : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-  (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199) وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه, وكان وقافا عند كتاب الله.([7]) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : 'وهكذا الغضبان فإنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله فيقول ما يقول، ويفعل ما يفعل؛ ليدفع عن نفسه حرارة الغضب فيستريح بذلك, وكذلك يلطم وجهه, ويصيح صياحا قويا, ويشق ثيابه, ويلقي ما في يده؛ دفعا لألم الغضب, وإلقاء لحمه منه, وكذلك يدعو على نفسه وأحب الناس إليه فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء, وهو غير طالب لذلك في الحقيقة فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو غير قاصد لمعناها, ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعا لحرارة الغضب وأنهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم, وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة " ا.هـ([8])

           والحلم آفته الجهل المضرُّ به    والعقل آفته الإعجاب والغضب

 

11) أخذ الدروس من الغضب السابق

فلو استحضر كل واحد منا قبل أن يُنفذ غضبه الحاضر ثمرةَ غضبٍ سابقٍ ندم عليه بعد إنفاذه لما أقدم على ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء مرة ثانية, فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده قال ابن حبان –رحمه الله تعالى – ' سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء, والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب' ا.هـ([9] )

        لا تغضبن على قوم تحبهم      فليس ينجيك من أحبابك الغضب([10]) 

 

12) اجتناب وإزالة أسباب الغضب 

قال الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى – ' ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم : السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم, وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور , وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها, ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال, وأن ذلك حمق وجنون' ا.هـ ([11])

 

13) معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة فتركه إغلاق لباب من أبواب العصيان

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : 'ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة, وكان نهاية قوة الغضب القتل, ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله –تعالى- بين القتل والزنى, وجعلهما قرينين في سورة الأنعام, وسورة الإسراء, وسورة الفرقان, وسورة الممتحنة, والمقصود أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة ' ا.هـ([12]) .

 

14) قال ابن حبان -رحمه الله تعالى- ' لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب' ا.هـ([13]) لذا فقد قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم – " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان " ([14]) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- ' إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد : أحدها : لا يصح و لا ينفذ؛ لأن النهي يقتضي الفساد. والثاني  : ينفذ. والثالث : إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه, وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ' ا.هـ([15] ) وقال معللا المنع ' إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه, ويمنعه من كمال الفهم, ويحول بينه وبين استيفاء النظر, ويعمي عليه طريق العلم والقصد' ا.هـ([16])  لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري –رضي الله عنهما- في القضاء ' وإياك والغضب والقلق والضجر ' ([17]) .


صور من هدي السلف عند الغضب

 سب رجل ابن عباس -رضي الله عنهما – فلما فرغ قال : يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى ([18]).

وقال أبو ذر –رضي الله عنه- لغلامه : لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس؟ قال : أردت أن أغيظك. قال : لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى ([19]) .

وأسمع رجل أبا الدرداء – رضي الله عنه- كلاما, فقال : يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.

قال الأحنف بن قيس –رحمه الله تعالى – لابنه : يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه, فإن أنصفك وإلا فاحذره ( [20] ).

          إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا       فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه

        فإن كان في حال القطيعة منصفا     وإلا فقد جربته فتجنبـــه 

وقال محمد بن حماد الكاتب :

          فأعجب من ذا وذا أنني         أراك بعين الرضا في الغضب([21]) 

 

وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال : صلى بنا عمار بن ياسر -رضي الله عنه- صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم : لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال : أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم " اللهم بعلمك الغيب, وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي, وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم, وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة, وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب, وأسألك القصد في الفقر والغنى, وأسألك نعيما لا ينفد, وأسألك قرة عين لا تنقطع, وأسألك الرضاء بعد القضاء, وأسألك برد العيش بعد الموت, وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ضراء مضرة ولا فتنة مضلة, اللهم زينا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة مهتدين" ([22])  

والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

 

------------------------------------------------

( [1]) رواه البخاري (5763) ومسلم (2609) .

( [2])  حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود 13/271.

( [3])   الاستقامة 2/271  .

( [4])   شرح الزرقاني 4/327 .

( [5])  رواه البزار قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- " البزار بإسناد جيد " .ا.هـ فتح الباري 10/519 .

 ( [6])    صبح الأعشى 10/275 .

( [7])   رواه البخاري (4366)  .

( [8])   إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان /47 .

( [9])    روضة العقلاء /138 .

( [10])  المدهش 2/298 .

( [11]) الوسائل المفيدة /16 .

( [12]) زاد المعاد 2/463 .

( [13])   روضة العقلاء /140 .

( [14])   رواه البخاري (6739) ومسلم (1717) من حديث أبي بكرة- رضي الله عنه-  .

( [15])   إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان /65  .

( [16])    إعلام الموقعين 1/217  .

( [17])   رواه الدارقطني 4/206  ووكيع في أخبار القضاة 1/70 و283 و ابن عساكر في تاريخ دمشق 32/70 .

( [18])     المستطرف /201 .

( [19])    البيان والتبيين 1/456 المستطرف /201 .

( [20])  المستطرف / 203  وروي ذلك عن لقمان -عليه السلام – كما في روضة العقلاء /91 .

 ( [21])    قرى الضيف 5/44 صبح الأعشى 9/198 يتيمة الدهر 5/44 .

( [22]) رواه ابن أبي شيبة 6/44 وأحمد 4/264 والنسائي ( 1305) واللفظ له وصححه ابن حبان (1971) . 

رابطي الجزئين السابقين :

الجزء الاول : اسباب وانواع الغضب 

الجزء الثاني : علاج الغضب 2/1


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.