البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« يوليو 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية

خطبة الجمعة : اياك نعبد واياك نستعين

 

 ألقى الأستاذ فتح الله بلحسن خطبة بمسجد الشهباء بمدينة سلا يوم الجمعة 21 شوال 1436 الموافق ل 07 غشت 2015  بعنوان : اياك نعبد واياك نستعين'، وهذا نصها:

    

الحمد لله على نعمة التوفيق والهداية لاقوم طريق وأنجح سبيل منه سبحانه ونعمة.

 

وأشهد ان  لا اله الا الله  الواحد الأحد  الفرد الصمد الذي لا محمود  بحق سواه فالحمد لله  والشكر له على آلائه ونعمه التي لا تحصى  ولا تستقصى فسبحانه من اله خلق فسوى والهم الخلق حسن العبادة وأعانهم عليها كلما استعانوا بقدرته وقوته وقد تحققوا أن لا قدرة للعبد إلا بعون مولاه وأشهد ان سيدنا ومولانا  محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، وجهنا إلى حسن العبادة وإتقانها والتوكل على الخالق والاستعانة به لتحقيق التوجه والقصد لرب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه  والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون، لاشك أنكم تذكرون ان خطبة الجمعة الفارطة تحدثنا فيها عن معاني سورة الفاتحة مجملة واستجلينا بعض معانيها وأسرارها بقدر ما سمح به الوقت، إلا أن احد إخواننا المؤمنين طلب مني ان اخصص خطبتين تابعتين لما سبق، إحداهما حول قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) والثانية لقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم).

فأقول وبالله التوفيق إن آية (إياك نعبد وإياك نستعين) آية عظيمة القدر والمغزى جاءت في أعظم سورة وأشرفها، سورة الفاتحة التي جعلها الله تعالى أم الكتاب حيث تضمنت كل معاني التوحيد والتعظيم والثناء على الله جل وعلا. كما تضمنت مقاصد الدين في أصول الإيمان والعبادة.

وإذا علمنا أن الأمة الإسلامية على اختلاف لغاتها  فإنها تلتقي جميعا بلسان عربي واحد حول كلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله.

وسورة الفاتحة  التي هي أم الكتاب والتي تجتمع كل معانيها في الآية الكريمة :

( إياك نعبد وإياك نستعين ) وأنهما كلمتان دقيقتان  هي غاية الدين كله. وعليهما مدار العبودية والتوحيد، ويقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين : 'ان سر الخلق والأمر والكتب والشرائع والتواب والعقاب انتهى الى هاتين الكلمتين وعليهما مدار العبودية والتوحيد. فإن الله تعالى انزل الكتب ثم جمع معانيها في القرآن الكريم، وأنزل القرآن وجمع معانيه في سورة الفاتحة وجمع معانيها في ( إياك نعبد وإياك نستعين ).

إن هاتين الآيتين هي خلاصة القرآن كله تلتقي فيها العبادة والاستعانة.

وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين، فنصف له سبحانه ( إياك نعبد)  ونصف لعبده وهو ( إياك نستعين).

وفي ذلك تخصيص الله تعالى وحده دون سواه بالعبادة والاستعانة، فلا يعبد بحق ويستحق العبادة الا الله وحده، ولا يستعان إلا به، فهو أهل للاستعانة وحده. وفي هذا تلتقي حقوق الربوبية بواجبات العبودية في عبارة بمنتهى الإيجاز والبيان. ولما كانت الآية تتلى في كل صلاة، فإن المؤمن يعلن بذلك وباستمرار ميثاق عهد العبودية والعبادة لله جل وعلا على أساس من التوحيد الخالص، وهو الأساس العقدي الذي كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة بمكة لتطهير القلوب والعقول والحياة من رواسب الشرك وظواهره السائدة، قبل الانتقال إلى طور المدينة لبناء الشريعة والأمة والدولة. وتضم الآية الكريمة أصول التوحيد في نوعين :

      -توحيد العبادة التي هي حق لله وحده دون غيره، يقول تعالى: ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض اله وهو الحكيم العليم)  وهو وحده سبحانه  المستحق للعبادة لا يشاركه فيها احد اذ لا تنبغي  لأحد غير الله ايا كان، لا ملكا مكرما  ولا نبي مرسلا  وتلك غاية الخلق أجمعين يقول تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).

-وهناك توحيد الاستعانة، وهو أمر متعلق بحق الربوبية له سبحانه: لأنه رب السموات والأرض ورب المخلوقين أجمعين: ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش).

      إنه كلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم، فبقدر ما يصرف العبادة إلى الله وحده، يتلقى منه العون والتوفيق في العبادة نفسها وفي سائر شؤونه. وتلك حقائق يجب على المسلم أن يعلمها ويتفقه فيها ويؤمن بها ويعمل بمقتضياتها في علاقته بربه، تحقيقا لعبوديته وعبادته على علم ويقين وبصيرة. 

أيها المؤمنون: إن الناس مع (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أصناف أربعة:


 الصنف الأول: أهل العبادة والاستعانة صدقا وإخلاصا، يجمعون بينهما اعتقادا وعملا ولا يفرقون، ولا يقصرون في ذكر الله تعالى وشكره وحسن عبادته، ولا يشركون به شيئا، لا في الإيمان به ولا في طاعته والتوكل عليه، الذين هم عابدون لله، ومستعينون به على عبادته والاستقامة على دينه، ابتغاء مرضاته.

 

الصنف الثاني: أهل عبادة بغير استعانة، ومن هؤلاء من يؤدون فرائض العبادة، ولكنهم يرجون ويطلبون أسباب السعادة والرزق والتوفيق عند غير الله تعالى، وتلك حال المتعلقين بالأضرحة والقبور والسحر والكهانة وغيرها من الواقعين في الشرك العملي. يستجيبون لمقتضى إياك نعبد، ويتنكرون لمقتضى إياك نستعين، فخلطوا الطاعة بالشركيات العملية ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشرِكُونَ)  
يوسف الآية 106.

 

الصنف الثالث: يزعمون التوكل على الله والاستعانة به، لكن على حظوظهم الدنيوية وشهواتهم بلا عبادة، وهم في الحقيقة إنما يعبدون دنياهم، ولا يلجؤون إلى الله إلا طلبا لقضاء حوائج أهوائهم، وقد يؤتيهم الله من متاع الدنيا ولكنهم ليس لهم في الآخرة من نصيب ( وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ).


الصنف الرابع: صنف الجاحدين المعرضين المستكبرين على الله تعالى الذين لا هم له عابدون ولا هم به يستعينون، لأنهم لا يؤمنون به أصلا. يأكلون رزقه ويجحدون فضله و يعبدون غيره، ولا يستعينون به، أولئك في الضلال والخسران المبين: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر الآية 60.

واعلموا إخواني:  أنه لا يستقيم حال العبد مع الله جل وعلا إلا على الجمع والتوفيق بين العبادة والاستعانة، أي بين مقتضى (إياك نعبد) ومقتضي (إياك نستعين)، وذلك بالإخلاص لله في العبادة، وتمام التوكل عليه والافتقار إليه في الاستعانة. يقول ابن القيم : 'إياك نعبد تدفع الرياء، وإياك نستعين تدفع الكبرياء'.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى : "احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)،  صدق رسول الله صلى الله عله وسلم.

اللهم ألهمنا العمل بسنته واجعلها دستورنا في علاقتنا بالله تعالى بحفظ عهده بالعبادة والاستعانة، وحفظ الحدود وتعظيم حرمات الله ليكون ربنا معنا بعناية وتوفيقه ورضاه، فهو ربنا ومولانا وصاحب الفضل علينا ولا حول لنا ولا قوة الا به في كل شيء من أمور ديننا ودنيانا وآخرتنا.

 ( قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.