البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« سبتمبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30          
التغذية الإخبارية

مفهوم التربية في السنة (الجزء الثاني)

alt

 

بالأمس نشرنا الجزء الأول من مفهوم التربية في السنة وتناولنا فيه التربية الروحية والتنمية العقلية، واليوم بمشيئة الله سنتناول في هذا الجزء التربية الخلقية والتربية العملية :

 

3)التربية الخلقية :

كذلك اهتمت السنة النبوية بـتربية الخُلق والسمو به، وجعلت الأخلاق الفاضلة أسمى أهداف التربية المتكاملة.

فقد مدح الله عز وجل نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام قائلاً: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم:4.

وبعث الله عز وجل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً خاتمًا ليتمم مكارم الأخلاق، لأن الأخلاق الفاضلة هي الأساس المتين للحياة الكريمة.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" . وفي رواية : " مكارم الأخلاق".

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عظيم منزلة الخُلق الحسن عند الله تعالى، فقال لمن سأله عن أحب عباد الله إلى الله قال: " أحسنهم خلقًا " .

ولما كانوا أحب عباد الله إلى الله كانوا أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: " إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا " .

فأحسن الناس أخلاقًا، أحبهم إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا من الحث على التحلي بحسن الخلق ما يحمل عليه بكل رغبة لما يترتب عليه من محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي سبب لنيل الأجر العظيم، والبعد عن نار الجحيم.

كذلك حرصت السنة النبوية على تكوين المسلم القادر على الاعتماد على نفسه، وتربيته تربية استقلالية تؤهله لشق طريقه في الحياة بثقة كاملة في ربه، واعتداد قوي في نفسه، وحرص دائب على ما يصلح أمره وأحواله، وتحقيق طموحاته وآماله.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)سورة الرعد: 11. وهذه هي الروح الإيجابية الحقة التي تغرسها التربية المحمدية في الفرد بحيث يكون مؤمنًا قويًا قادرًا على التكيف، وذا إرادة فعالة ونفس طموحة.

روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" .

 

4)التربية العملية

واستكمالاً لتكوين المسلم الكامل القادر المعتمد على نفسه، النافع لغيره حرصت السنة النبوية على توجيهه إلى إتقان حرفة أو مهنة معينة ليكسب بها رزقه المشروع في الحياة بما يمكنه من الاستقلال الشخصي الحقيقي عن غيره، ويحفظه من الذل والهوان ومسألة الناس، ويجعله قادرًا على تحمل أعباء الإنفاق على أهله وذويه.

وضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأسمى في هذا الشأن، فقد رعى الغنم لأهل مكة، واشتغل بالتجارة، وكان دومًا في خدمة أهله.

روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه" قالوا: أكنت ترعى الغنم؟ قال: " وهل من نبي إلا وقد رعاها" .

وفي هذا الحديث نلمس اهتمام السنة النبوية بضرورة إلمام وإتقان المسلم لمعرفة حرفة أو مهنة ما، وعدم استصغار شأنها أو احتقارها مهما كان مستواها ما دامت تمكنه من كسب الرزق الحلال، واتقاء ذل السؤال، فالقادر على الإنفاق على نفسه وأهله- مهما قل رزقه - خير من العاطل الاتكالي الذي يسأل الناس أعطوه أو منعوه.

روى مسلم من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: " اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة" .

واليد العليا المنفقة: هي اليد العاملة المنتجة، واليد السفلى السائلة: هي اليد العاطلة المتواكلة.

 

وهكذا يتبين لنا من خلال ما تقدم أن السنة النبوية المطهرة ترى أن عملية التربية عملية " رعاية مسؤولة"، فالراعي سواء أكان أبًا أم مربيًا مسؤول عن رعيته من الناشئين وتولي شؤونهم، وسياسة أمورهم، وتوجيههم وإرشادهم حتى يمكنهم من بلوغ أهداف التنشئة الصالحة السوية المتكاملة التي يسعد بها الفرد، ويكون عضوًا صالحًا خيرًا في مجتمعه، عاملاً على صون تماسكه، وقادرًا على المساهمة في تطويره، وتحقيق غاياته في الرقي والتقدم.

 

وسيتبين لنا بوضوح أكثر أثناء بحث مختلف المواضيع في الفصول القادمة أن السنة النبوية ذات تراث تربوي زاخر ومعطاء بالأسس والدعائم التربوية التي إذا ما راعيناها في تنشئة أجيالنا اليافعة، وجعلناها منطلقًا وأساسًا لتربيتهم وتنميتهم روحيًا وعقليًا وأخلاقيًا ووجدانيًا واجتماعيًا وبدنيًا - لأعطتنا أينع الثمار وأفضل النتائج، وكان لنا فيها غنى عن كثير من الفلسفات والنظريات المستوردة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، هذا مع إيجابية فريدة تتميز بها السنة النبوية في كونها لا تغلق الباب في وجه الصالح والمفيد من النظريات العلمية مهما كان مصدرها، وهي في ذلك تحث المسلم على طلب الحكمة والعلم في أي مكان وممن كان، ويكون الحكم دائمًا على صواب أو طلاح الفكرة أو النظرية من حيث محتواها بغض النظر عن واضعها.

وفي هذا الموقف تزكية للعلم والمعرفة، وتنمية للعقل البشري، وتحريض على البحث والاستقصاء والدراسة.

قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) سورة طه: 114.

وقال تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) يوسف: 76.

وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها" .

وروى ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه: "العلم ضالة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه" .

وبهذا تظهر التربية المحمدية تسامحًا ونزاهةً لا تضارع في تلقي العلم والمعرفة ما دامت موجهة لخير الإنسانية وإسعادها، بشرط ألا تعارض العقيدة  المنزلة التي هي قوام البشرية في حياتها الدنيوية والأخروية، ذلك أن العلم الصحيح هو دليل الإيمان السليم وسنده، ولا خير في علم بدنيا لا يبصر حامله الآخرة .

رابط الجزء الأول : مفهوم التربية في السنة النبوية (الجزء الاول)


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.