البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« أكتوبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
التغذية الإخبارية

مفهوم التربية في السنة (الجزء الاول)

 alt

فالسنة النبوية وضعت للتربية تعريفًا أدق وأشمل، فهي ترى أن التربية هي عملية رعاية، وكلمة رعاية توحي بدلائل وتضمينات تربوية أكثر من غيرها، فمن دلائلها وتضميناتها كونها عملية اهتمام وحرص ورقابة وتعهد وحدب وتهذيب وسمو ورفع وترقية وتزكية وعناية متكاملة لمن توجه إليه رعاية الراعي المسؤول.

alt

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" .

والرعاية في اللغة تعني الحفظ وتولي الأمر، نقول: رعى الأمير رعيته، أي: ولي أمرها وساسها وتدبر شؤونها، والرعية: كل من شمله حفظ الراعي ونظره (2).

وهكذا تكون الرعاية المسؤولة في العملية التربوية: روحها وعمادها، وبدونها لا تستقيم ولا تحقق أغراضها وأهدافها.

وهذه النظرة الشمولية للتربية التي ركزت عليها السنة النبوية بكونها عملية رعاية كاملة قوامها المسؤولية التامة، إنما ترسخ دعائم إعداد الإنسان المتكامل الشخصية روحيًا وعقليًا وخلقيًا ووجدانيًا واجتماعيًا وبدنيًا، والذي يجعل دائمًا نصب عينيه أن لربه عليه حقًا، ولنفسه عليه حقًا، ولأهله عليه حقًا، والذي يحب لغيره ما يحب لنفسه، والذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يسلم الآخرون من لسانه ويده، والذي يفعل الخير بروح إيجابية متعاونة.

والرعاية مسؤولية خطيرة يحاسب عليها من وليت له، ويتحمل تبعة عدم النصح والإخلاص في القيام بها، بل وجعلت السنة النبوية دخوله للجنة رهين إخلاصه فيها.

روى البخاري من حديث معقل بن يسار، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة" .

هذا ولو تأملنا الأغراض أو الأهداف التي ترمي إليها التعريفات السابقة للتربية فإننا لا نجد أي تناقض أو تعارض بين هذه التعريفات وما تضمنته السنة النبوية الشريفة من أسس ودعائم بناء الشخصية السوية المتزنة للمسلم المتكامل، بل حوت في مضامينها التربوية كل التعريفات الآنفة الذكر، وأكثر منها بوضوح كامل.

 

1)التربية الروحية

      فقد حرصت السنة النبوية على الاهتمام  بتربية الروح.

      روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره" .

 ولا يستطيع أن يتبع سبيل الجنة المحفوف بالمكاره والشدائد، وتجنب سبيل النار المحفوف بالشهوات واللذائذ إلا من كانت تربيته الروحية تربية قوية، راسخة الدعائم، ثابتة الأركان، وكانت أخلاقه وتصرفاته ومواقفه واتجاهاته انعكاسًا صادقًا لإيمانه القوي بالله عز وجل.

 وفي هذا الحديث نجد دعوة إلى ترقية الروح وتهذيب النفس وكبح جماحها وشهواتها ومجاهدتها، لأن في تقوى الله عز وجل، واستشعار رقابته الدائمة سعادة الدنيا والآخرة.

 وروى مسلم في صحيحه من حديث صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له".

وبمثل هذه التربية التي رسمت لنا معالمها ورسخت دعائمها السنة النبوية الشريفة نصل إلى تربية المؤمن المتكامل الشخصية، ذي النظرة الإيجابية للحياة، الذي قويت همته، واشتدت عزيمته، فلا يلحقه غرور، ولا يحطمه فشل، إن وجد يسرًا شكر الله تعالى وواصل طريقه، وإن وجد عسرًا استعان بالله تعالى، وصبر على المكاره، واستمرت محاولته في تخطي الصعاب والعراقيل التي تعترضه حتى يوفقه الله تعالى إلى بلوغ آماله.

 alt

2)التنمية العقلية

وكذلك حرصت السنة النبوية على تنمية العقل، وأحلته مكانة رفيعة لا نظير لها.

وأول خطاب نزل في القرآن الكريم كان موجهًا إلى العقل الإنساني تكريمًا له وتعظيمًا لشأنه، وجعله وسيلة الإيمان الصحيح القائم على الوعي والتدبر والتبصر.

قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) سورة العلق: 1-5.

وفي حث القرآن الكريم على تعلم القراءة والكتابة كمدخل أساسي وحيد للمعرفة والعلم والحكمة، وبدء نزول الوحي بكلمة  'اقرأ'  وإقرانها في التعلم  'بالقلم' دعوة للعقل البشري إلى الأخذ بأسباب العلوم والمعارف كطريق إلى الإيمان بخالق الكون والإقرار بوجوده، وكسبيل إلى النظر في الكون وفهمه وتسخيره لمصلحته.

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تنمية العقل وصقله بالتجربة والخبرة والممارسة، روى الترمذي من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة" .

أي: لا حكيم كاملاً إلا من جرب الأمور وعلم المصالح والمفاسد، فإنه لا يفعل فعلاً إلا عن حكمة، إذ الحكمة إحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل.

ووجهنا رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى أن ترقية العقل وتزكيته لا تكون إلا بالتربية والتعليم.

روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا إلى أهليكم فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا...." .

وروى الحاكم وابن عبد البر من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا العلم وعلموه الناس...." .

وإذا كان الشيء النفيس المرغوب فيه كما يقول الإمام الغزالي ينقسم إلى 'ما يطلب لغيره'، وإلى 'ما يطلب لذاته'، وإلى 'ما يطلب لغيره ولذاته جميعًا'.

فما يطلب لذاته أشرف وأفضل مما يطلب لغيره، والمطلوب لغيره : الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا منفعة لهما، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يسر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصباء بمثابة واحدة، والذي يطلب لذاته : فالسعادة في الآخرة ولذة النظر لوجه الله تعالى، والذي يطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن، فإن سلامة الرِجل مثلاً مطلوبة من حيث إنها سلامة للبدن عن الألم، ومطلوبة للمشي بها والتوصل إلى المآرب والحاجات.

 

وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذًا في نفسه فيكون مطلوبًا لذاته، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من الله تعالى ولا يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبةً في حق الآدمي السعادة الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو إذن أفضل الأعمال، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضًا بشرف ثمرته! وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين، والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع، حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة، بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتميير الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.