البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« سبتمبر 2018 »
أح إث ث أر خ ج س
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
التغذية الإخبارية

خطبة الاسبوع : التسامح والعفو عند المقدرة

alt

altألقى الأستاذ فتح الله بلحسن خطبة بمسجد الشهباء يوم الجمعة 15 شعبان 1435 الموافق ل 13 يونيو 2014 بعنوان ' التسامح والعفو عند المقدرة'، وهذا نصها:

الحمد لله الذي جعل دين الإسلام دين التسامح والوئام. ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له يخص عباده المتقين بالمقام الأسنى في جنة النعيم ويتوعد المنافقين والمشركين بنار الجحيم، ونشهد ان سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله ومصطفاه من خلقه وحبيبه خصه بالرسالة والقرآن المبين حجة الله الخالدة على الدوام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

alt

أما بعد فيا أمة الإسلام ويا أتباع سيدنا محمد النبي العدنان اتقوا الله حق التقوى لتنعموا بما أعد الله لعباده الصالحين وذكره في القرآن المبين حيث قال عز من قائل:( تلك الجنة التي نورثها من عبادنا من كان تقيا). 

أيها المؤمنون: لقد خص الله سبحانه عباده المخلصين بفضيلة التسامح والصفح والعفو مهما لحقهم من ظلم او اعتداء وسأسوق لكم إخواني نموذجين عاليين من أنبياء الله الكرام عليهم الصلاة والسلام.

النموذج الأول سيدنا يوسف عليه السلام وما عاناه من كيد إخوته الذين أغواهم الشيطان بإزاحته من وجه أبيهم الذي خصه بالمحبة والرعاية لصغر سنه والنموذج الثاني هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ خلقُ التسامح عنده قمته يوم فتح مكة حيث قدر فعفى.

 

- فسيدنا يوسف الذي لم يكن قد تجاوز سن الطفولة الأولى بدا لإخوته من أبيه يتخلصوا منه بعد أن ضاقوا درعا بانصراف أبيهم عنهم وانشغاله بيوسف فقرروا أن يقتلوه بإلقائه في بئر والتخلص منه ومن جثمانه بعد أن احتالوا على الأب وأخذوا الطفل البريء وجردوه من ثوبه بلا رحمة ولا شفقة ولا مراعاة لدم النسب الذي بينهم حيث ألقوه في غياب ذلك البئر ينتظر الفرج من الله الذي بيده مفاتيح الفرج، وبينما هو في مجلسه في قعر البئر إذا بحبل ودلو يتدلى فتمسك به وصعد فإذا به يقع بين يدي رجال قساة القلوب فرحوا به لا لأنه إنسان أنقذوه ولكن لأنه يمكن أن يباع في سوق العبيد فأخذوه وباعوه ليقع في رحلة مرهقة متعبة فمن كيد النساء إلى السجن حتى مكن الله له في الأرض بعد ذلك وإذا بإخوته الذين كادوا له يأتوه فقراء أذلاء، فلما عرفهم بنفسه سقط في أيديهم وقاموا يعتذرون ولم يكن من الخلق الذي جبل عليه نبي الله يوسف أن ينتقم منهم أو يعاقبهم على ما سببوه له، وما كابده من تعب وعنان وما قاساه من حرمان من حنان الأب الرحيم بل عفا عنهم لأنه من الرجال المتقين الكرماء. والمقطع الأخير من القصة مذكور في كتاب الله يبرز تسامح نبي الله يوسف: يقول تعالى: ( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون، قالوا أئنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا. إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، قالوا تا لله لقد أترك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال لا تتريب عليكم، اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). هذا يوسف تعالى عن كل محاسبة أو مؤاخذة لإخوته ليحلق في سماء التسامح والصفح الجميل، وتعالى ربنا القائل: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)، إنها قاعدة هامة في ديننا أضعناها فيما نعيش فيه من ماديات مقيتة أنستنا قيمنا وأخلاقنا الإسلامية. وتتجلى في القصة سماحة يعقوب عليه السلام الذي قاسى ألم الفراق وحزن حزنا شديدا لفراق يوسف ثم أخيه من بعده وعرف أن ذلك من كيد الشيطان لأبنائه الذين رأوا برهان الله في نجاة يوسف وفي تسامحه معهم وتلطفهم له. عفا يعقوب على الأبناء واستغفر لهم وهو ما يحكيه القرآن الكريم : ( قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إن كنا خاطئين. قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)، ما عنفهم ولا لامهم ولا دعا عليهم ولكن قابلهم بخلق العفو والتسامح.

 

 - والنموذج الثاني هو سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة ورسولها مكرت به قريش في جاهليتها، آذوه وعذبوا أصحابه وكانوا حريصين على قتله ودبروا لذلك يوم هجرته ومع ذلك لما مكنه الله منهم ومن رقابهم يوم فتح مكة خاطبهم وهو واقف على باب الكعبة، وهم واقفون تحت قدميه. "ما تظنون أني فاعل بكم". فأجابوه وهم خائفون ترجف قلوبهم، أخ كريم وابن أخ كريم، فماذا فعل فيهم صلى الله عليه وسلم؟ خاطبهم بذلك الخطاب الحكيم الذي يبرز للبشرية جمعاء على مدى التاريخ أروع صور العفو والمسامحة اذ قال : "اذهبوا فانتم الطلقاء" رغم ما فعلتم، ورغم ما ارتكبتم. أين نحن من هذه الأخلاق الإسلامية العالية، هذا رسول الله وهذه أخلاقه وهذا موقفه ممن حاربوه في الدين. فهل نتأسى برسول الله في سلوكاتنا وأخلاقنا وفي معاملاتنا.

 

- وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تكلم بعضهم في عرض ابنته زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي برأها الله من فوق سبع سماوات، وكان ممن تكلم رجل يعوله أبو بكر ويحسن إليه وينفق عليه، وقد اعترى أبا بكر بما اعترى البشر فقرر ان يقطع عنه النفقة فيعاتبه ربه بالقرآن اذ يقول: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يوتوا أولي  القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم)، فيستجيب الصديق لآيات كتاب ربه استجابة فورية، بلى بل أحب أن يغفر الله لي ويعيد إحسانه إلى الرجل الذي كان منعه. وهذا أمر إلى كل من لقي الإساءة ممن يحسن إليهم ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم).

 

- وهذا نموذج آخر لهذا التسامح الجم أحد الصالحين الذي كان يتوضأ وجاريته تصب عليه الماء فسقطت الجرة من يدها فتكسرت وآدته فغضب، ولما عرفت الجارية غضبه خاطبته بآيات من كتاب الله لأنها تعرف أنه مؤمن صادق فقالت: (والكاظمين الغيظ)، قال: 'كظمت غيظي'، قالت: (والعافين عن الناس)، قال : 'عفوت عنك'، قالت : (والله يحب المحسنين) قال: 'اذهبي فأنت حرة لوجه الله'، كل إساءات الجارية قوبلت بالتسامح والإحسان من سيدها الذي يعد من ذوي القلوب التي ملأها القرآن صفحا وإحسانا، فهل يسمع هذا من يسيئون معاملة عمالهم وخدمهم، وخادماتهم ولو سمعوا لتفادوا الأخطاء التي يقعون فيها. ألم يسمعوا عن عفو الإسلام وسماحة الإسلام؟ أين موقفنا جميعا من هذه المبادئ السامية العفو والصفح والمسامحة يقول ربنا تبارك وتعالى : (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين).

 صدق الله العظيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.