البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« يونيو 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30  
التغذية الإخبارية

الخطوات العملية لاغتنام رمضان (الجزء الثالث)

 alt


نتابع معكم اخواني واخواتي القراء الاعزاء نشر أهم الخطوات العملية -الجزء الثالث- لاغتنام هذا الشهر المبارك والذي سيرحل علينا بعد أيام وسيفرح بعد ذلك الذي اغتنمه ويحزن الذي فوت هذه الفرصة الثمينة الغالية، وفقنا الله جميعا لصيامه وقيامه ولقراءة القرآن الكريم ولفعل جميع الخيرات بكل أنواعها :


الجزء الثالث :

والآن وبعد تشخيص حالة القلب لا بد من معرفة العلاج وأسباب المرض حتى نتفاداها فلا يعود المرض إلى قلوبنا.

 

ولكن أخي المسلم انتبه إلى أمر مهم جداً وهو أنه لا يكفي معرفة السبب والدواء بل لا بدّ من تعاطي الدواء والمسارعة فيه قبل أن يفتِّك المرض بقلبك .


فمرض القلب كمرض البدن إن لم يسارع المريض إلى العلاج قد يزداد المرض سوءاً ويتعسّر الشفاء، وقد يموت الإنسان بمرضه .

وقد لا يجد مريض البدن والقلب الرغبة في الدواء ويُعرض عن العلاج ولكن العاقل الذي يخشى على نفسه الهلاك عليه أن يتصبّر ويُلزم نفسه باستعمال الدواء حتى يتمّ لها الشفاء .

 

أسباب مرض القلوب :

إن أعظم داء للقلب هو الذنوب والمعاصي قال الله عز وجل ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )(49) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  في تفسير هذه الآية :" إنَّ العبدَ إذا أَخطأ خطيئةً نُكِتتْ في قلبهِ نُكْتةٌ سوداءُ ، فإذا هو نَزَعَ واسْتغفرَ وتابَ صُقلَ قلبُه ، وإنْ عادَ زِيدَ فيها ، حتى تعلُو قلبَهُ وهو الرَّانُ الذي ذكر الله )(50).

ويقول صلى الله عليه وسلم  في وصف القلب المريض " .. وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيّب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه "(51) .

ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم  مبيناً خطر الذنوب والمعاصي على القلب " تُعرَض الفتنُ على القلوب كالحَصير عوداً عوداً ، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداءُ ، وأي قلبٍ أَنْكَرَها نُكت فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى تَصيرَ على قلبين ؛ على أبيضَ مثلِ الصَّفا فلا تَضرُّه فتنةٌ ما دامت السمواتُ والأرضُ ، والآخرُ أسودُ مُرباداً كالكُوزِ مُجَخِّياً لا يَعرِفُ مَعروفاً ، ولا يُنكرُ مُنكراً إلا ما أُشْرِبَ من هواهُ "(52).

معنى الحديث : شبّه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحد ، فأي قلب ردّها نكت في قلبه نقطة بيضاء ، وأي قلب أشربها أي دخلت فيه وقبلها نكت فيه نقطة سوداء ، حتى تصير على قلبين على أبيض لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه ، مثل الصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء ، الآخر أسود مرباد أكدر اللون ، كالكوزِ أي الكأس ، مجخياً أي منكوساً ؛ والمعنى : أن الرجل إذا اتّبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظُلمة ، وإذا صار كذلك زال عنه نور الإسلام ، والقلب مثل الكوز فإذا انكب وانتكس انصبّ ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك فلا ينتفع بموعظة ولا نصيحة ولا يعلق به خير . ولمزيد من التبيين قال صلى الله عليه وسلم " لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه"(53)

 

فالحذر الحذر من الاستمرار في المعاصي ! فكم سَلَبَتْ من نِعَمٍ ، وكم جَلَبَتْ من نِقَمٍ ، وكم خَرَّبت من ديار .

يا صاحبَ الذنبِ لا تأمن عَواقبَـهُ    عواقبَ الذَّنبِ تُخشى وهي تُنتظرُ

فكلُّ نفسٍ ستُجزى بالذي كَسَبتْ      وليس للخـلقِ من ديَّـانهم وَزَرُ(54)

 

ومن أشدّ المعاصي فتكّاً بالقلب بعد الشرك بالله  الغناء فهو ينبت النفاق في القلب فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل"(55).

ولعلك أخي المسلم تتساءل: ما سبب إنبات الغناء النفاق في القلب من بين سائر المعاصي ؟!

قال العلامة ابن القيّم رحمه الله :' اعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء .

فمن خواصه : أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره ، والعمل بما فيه ؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً ، لما بينهما من التضاد ؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ، ويأمر بالعفة ، ومجانبة شهوات النفوس ، وأسباب الغي ، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان ، والغناء يأمر بضد ذلك كله ، ويحسّنه ويهيج النفوس إلى شهوات الغي ، فيثير كامنها ، ويزعج قاطنها ، ويحركها إلى كل قبيح ، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح ، فهو والخمر رضيعا لبان ، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان ، فإنه صنو الخمر .. عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يُفسخ ، وهو جاسوس القلب '(56)

 ومن أسباب مرض القلب أيضاً الغل والحسد والضغينة على المسلمين ، فعن الزبير رضي الله عنه عن رسول اله صلى الله عليه وسلم  أنه قال " دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا ، أفلا أنبئكم بما يُثَبِّتُ ذلك لكم : أفشوا السلام بينكم "(57) .

وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم مَن كان قلبه سليماً على إخوانه المسلمين فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال " كل مخموم القلب صدوق اللسان " قالوا : صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟ قال " هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد "(58).

ولهذا كان من دعاء المؤمنين ما جاء في قوله تعالى ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم )(59) .

     

وبعد أن عرفنا أسباب أمراض القلوب، إليك العلاج:

ولكن احذر التسويف والسأسأة فقد يستعصي عليك العلاج بعدُ وقد يداهمك الأجل.

واعلم أن العلاج المبكر في أول الشباب ليس هو كالعلاج في أوسطه أو آخره ؛ فكلما تأخر العلاج تمكن حبّ المعصية في النفس وأشربه القلب .

 

أولاً : العزيمة الصادقة على سلوك طريق الجادة . والاستعانة بالله والضراعة إليه في إصلاح هذا القلب فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك"(60)، و " اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك "(61)، و " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغِنى "(62) .

 

ثانياً : بذل الجهد في ترك الذنوب كلها كبيرها و صغيرها ؛ فإن الصغائر إذا اجتمعت أهلكت صاحبها ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود ، والرجل يجيء بالعود ، حتى جمعوا سواداً ، فأججوا ناراً وأنضجوا  ما قذفوا فيها "(63) .

ولعل مما يعينك على ترك الذنوب استشعار عظمة الله تعالى ؛ فإن مَن قدّر الله عز وجل حق التقدير وعظّمه هاب أن يعصيه ، قال الله عز وجل ( ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز )(64) ، وقال سبحانه ( وما قدوا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون )(65) .

والحياء من الله تعالى حق الحياء إذ هو سبحانه المنعُم بهذه النعم العظيمة التي يعصيه بها العبد الظالم لنفسه ليلاً ونهاراً .    فتــأمّل...

أنعم الله عز وجل عليك بنعمة الإبصار وغيرك لا يُبصر ، ثم أنت تعصيه بها فتنظر إلى ما حرّم الله.

وأنعم عليك بنعمة السمع وغيرك لا يسمع ثم أنت تعصيه بها فتستمع إلى ما حرم الله .

 أنعم عليك فحرّك أركانك وغيرك عاجز قد شُلّت أركانه ثم أنت تعصيه فتستعملها في معصية الله .

أ فأمنت أن يسلبها الجبّارُ منك في طرفة عين ؟!! ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )(66) .

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "اِستحيوا من الله حقَّ الحياء " ، قلنا : يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله ، قال "ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، وتحفظ البطن وما حوى ، وتتذكر الموت والبِلى ، ومَن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمَن فعل ذلك فقد استحيى يعني من الله حق الحياء "(67) .

وتذكر ما تأمله من رضا مولاك ورحمته وجنته ، فمطلوبك غالي وأمنيتك ثمينة ، ولا بد أن تضحي بشهواتك من أجلها !

 

فكيف ينال رضا ربه من يقيم على معاصيه ! وكيف يبلغ الجنة من يسير في طريق النار !

 

والحال هذه مثل مَن يطلب الطب وهو يدرس الهندسة !

--------------------

(49) - سورة المطففين 14 .

(50) - أخرجه الترمذي ك التفسير تفسير سورة المطففين ح3390-5/105 وقال : هذا حديث حسن صحيح .

(51) - أخرجه أحمد 3/17 وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف .

(52) - أخرجه مسلم ك الإيمان باب ذكر الفتن التي تموج كموج البحر  -شرح النووي 2/172- .

(53) - انظر شرح النووي 2/172،173 .

(54) - لطائف المعارف ص277 ، والديّان من أسماء الله تعالى ، والوزر : الملجأ .

(55) - أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ح13 ص38 .

(56) - إغاثة اللهفان 1/193 .

(57) - أخرجه الترمذي ك صفة القيامة باب لم يسمه ح2628-4/74 . والبيهقي في السنن الكبرى ك الشهادات باب شهادة أهل العصبية 10/232 . قال المنذري في الرغيب والترهيب ح7-4/12: رواه البزار بإسناد جيّد والبيهقي وغيرهما .

(58) - أخرجه ابن ماجه ك الزهد باب الورع والتقوى ح4215-2/1403 ، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات . وقال المنذري في الترغيب والترهيب ح10-4/14: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والبيهقي وغيره .

(59) - سورة الحشر 10 .

(60) - خرجه مسلم ك القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء – شرح النووي 16/204 .

(61) - أخرجه أبو داود ك الصلاة باب في الاستغفار ح1522-2/87 ، والنسائي  ك الصلاة باب نوع آخر من الدعاءح1303-3/53 .

(62) - أخرجه مسلم ك الدعاء باب الأدعية 17/41 .

(63) - أخرجه أحمد 1/402 . وصححه الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة ح389-1/673 .

(64) - سورة الحج آية 74 .

(65) - سورة الزمر 67 .

(66) - سورة الأعراف 99 .

 (67) - أخرجه الترمذي ك صفة القيامة باب لم يسمه ح2575-4/53 قال الترمذي : هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصّبّاح بن محمد .

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.