البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« ديسمبر 2017 »
أح إث ث أر خ ج س
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            
التغذية الإخبارية

دروس وعبر ومواعظ من الهجرة النبوية

 

alt 

 
لا يفصلنا عن العام الهجري الجديد سوى يوم أو يومين، ونحن على أعقاب عام هجري مودع يمضي بما استودعناه نقف متذكرين هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم… إنها ذكرى الاعتبار والاتعاظ لا ذكرى الاحتفال والابتداع. إنها وقفة نستقرئ فيها فصلا من فصول الحياة خطه رسول الله  صلى الله عليه وسلم وصحبه، إنها رجعة إلى العقل في زمن طاشت فيه العقول، ووقفة مع الروح في زمن أسكرت الأرواح فيه مادية صخابة جرافة.
alt
نعم يحتفل المسلمون كل عام بالهجرة النبوية نظرا لأهمية الحدث الذي جعله عمر رضي الله عنه بداية للتاريخ الهجري، لأن الهجرة أهم حدث تاريخي، فهي تعني ولادة دولة الإسلام وبداية التمكين للمسلمين، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من هاجر بأهله من الأنبياء فقد سبقه غيره ومنهم أبوه إبراهيم ولوط عليهما السلام قال تعالى :(ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها)وقال أيضا(فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي)فالهجرة تعني النجاة من الكفر وأهله ويأتي الله بعدها بالفرج، فلما هاجر إبراهيم عليه السلام وهبه الله أولادا صالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب، كما هاجر إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه إلى مكة وبنى البيت ليكون مأوى أفئدة المسلمين (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرونولا يهاجر نبي ولا مسلم من مسقط رأسه وريعان شبابه ويترك أهله وقومه وكل شيء أحبه إلا لأجل ما هو أعظم منه ألا وهو دين الله، وحب الوطن غريزة في النفس فقد قيل: وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالك.
لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وقبله أصحابه منها إلى الحبشة إلا بعد أن أصبحت حياتهم فيها لا تطاق، وكاد المسلمون يفتنون عن دينهم فجعل الله لهم فرجا ومخرجا، ولم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ دعوته إلى قومه حتى ناصبوه العداء وحاربوه حربا شعواء وأغروا به السفهاء فصبر صبرا لا تحتمله الجبال وآزره عمه أبو طالب حتى توفاه الله وكان يقول: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا، وحوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب ثلاث سنين ثم فرج الله عنهم، ولما توفي أبو طالب وخديجة رضي الله عنها ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لعله يجد خيرا عند زعماء ثقيف لكنهم لم يكونوا أحسن حالا من قومه فرجع محزونا باكيا يدعو الله أن يهدي قومه وأن يفرج كربه ، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ثم عرض نفسه على أحياء العرب في المواسم إلى أن رزقه الله بالأنصار من يثرب فبايعهم بيعة العقبة الأولى والثانية على أن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم ولهم الجنة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا صحبة أبي بكر واجتمع قومه وتآمروا على قتله فأنجاه الله منهم وأيده بنصره منذ خروجه من منزله ، قال تعالى :(إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معناوحاول المشركون أن يرسلوا خلفه من يقتله ولكن الله نجاه منهم ووصل يثرب ففرح أهلها بقدومه واستقبلوه أحسن استقبال فنزل في دار أبي أيوب الأنصاري حيث بركت به ناقته وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدا ومساكن لأزواجه لكن فريقين لم يفرحا بقدومه ،الفريق الأول هم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف بجانب بيته ينتظر أن يدعوه إلى المنزل فقال عبد الله : انظر الذين دعوك فانزل عندهم ، والفريق الآخر هم اليهود وعلى رأسهم زعيمهم حيي بن أخطب فعندما سأله أخوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال عداوته في نفسي ما حييت ، كانت الهجرة حدثا عظيما تحول فيه المسلمون من ضعف إلى قوة وقامت أول دولة إسلامية رفعت راية الدعوة والجهاد.
 
بماذا يجب ان نستقبل عامنا الهجري : 
أود أن أذكر نفسي أولاً وإخـواني المسلمين بما ينبغي علينـا أن نستقبل به العام الهجري الجديد، لأن الذكرى تنفع المؤمنين، وتنبه الغافلين، وتعين الذاكرين، فأقول :
 
1- ينبغي على المسلمين أفراداً وجماعات، رعاة ورعية، علماء وعامة، نساء ورجالاً، أن يحاسبوا أنفسهم بأنفسهم حساباً شديداً صارماً قبل أن يحاسبوا، وعليهم أن يزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، وليتزينوا ليوم العرض الأكبر، على ما صدر منهم في العام المنصرم والأعوام السابقة، فإن وجد المرء خيراً فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فليعجل بالتوبة والإنابة قبل فوات الأوان واجتماع الحسرتين: حسرة الموت، وحسرة الفوت.
 
2- تجديد التوبة الصادقة النصوح من جميع الذنوب والآثام، وعدم التواني في ذلك أوالتسويف فيها.
 
3- على المسلمين أفراداً وجماعات ، شباباً ورجالاً، الانعتاق والتحرر من الولاء لغير الله، فلا يدعوا غير الله عز وجل، ولا يستغيثوا بغير الله، ولا يصرفوا شيئاً من العبادة لغير الله، فإن فعلوا شيئاً من ذلك فقد أشركوا مع الله غيره، وعليهم أن يجددوا إيمانهم.
 
4- الانعتاق والتحرر من تقليد الكفار والتشبه بهم، خاصة في مناهج التربية والتعليم، والتحدث برطاناتهم وتعلمها من غير ضرورة، والتشبه بهم في المخبر والمظهر، في اللبس والأعياد ونحوها.
 
5- التحرر والانعتاق من التأريخ بتواريخ الكفار، والعودة إلى العمل بتاريخنا الهجري، فهذا من أضعف الإيمان، فمن لم يقو على مخالفة الكفار في هذه الأمور فلن يقوى على مخالفتهم في غيرها من الأمور الكبار .
 
6- الاهتمام باللغة العربية، وإعادة النظر في الوسائل والطرق التي تدرّس بها. 
 
7- بعث روح الأخوة الإيمانية بين المسلمين، فقد كان أول عمل قام به سيد الخلق بعد هجرته إلى المدينة، وبعد بناء مسجده، أن آخى بين المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهليهم، وبين الأنصار الذين آثروهم على أنفسهم وأهليهم، عن طريق التكافل، خاصة الفقراء منهم، وأن لا ندعهم للمنصرين الذين يحملون المساعدات إليهم بالشمال ويحملون الإنجيل باليمين.
 
8- ينبغي للمسلمين جميعاً أن يعلموا أن اليأس والقنوط من رحمة الله من الكبائر العظيمة، وعليهم أن يقاوموا ذلك في نفوسهم، وأن يعملوا على اجتثاث ذلك من نفوس غيرهم، خاصة الشباب، فالاستسلام لليأس، والقنوط، والرضا بالواقع من أقوى عوامل الهزيمة.
 
9- اعلم أخي المسلم أن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ولكن المنافقين والمتخاذلين لا يعلمون؛ فلا خير في مؤمن لا يعتدُّ ويعتز بدينه؛ وتذكر خطاب الله عز وجل للفئة المؤمنة عقب انهزاهمهم في أحد :(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون )؛ فالمؤمن هو الأعلى بإسلامه، وبتوكله على ربه، وبثقته بأن العاقبة للمتقين، وبأن النصر بيد العزيز الحكيم، لمن أخذ بأسبابه، وعمل بمقتضى شرعه وخطابه.
 
10- علينا أن نوقن يقيناً صادقاً جازماً أن الله قد أعزنا بالإسلام، وأن من طلب العزة في غيره أذله الله، أو كما قال الخليفة الملهم عمر بن الخطاب.
 
دروس تربوية من الهجرة النبوية :
1- الهجرة سنة ماضية:
الهجرة تمت لرسولنا صلى الله عليه وسلم سنة إخوانه من الأنبياء، فما من نبي منهم إلا نَبَتْ به بلاد نشأته وأخرجه أهلها فهاجر عنها من لدن إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم- أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالاً لمن يأتي بعدهم من متبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في ذات الله.
قال تعالى: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) {إبراهيم: 13}، وقال تعالى عن قوم لوط:( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) {النمل: 56}، وقال تعالى عن نبينا صلى الله عليه وسلم: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) {الأنفال: 30}.
 
2- في الهجرة تأمين للدعوة وحماية للدين:
فالنبي  صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بين قومه إلا بعد أن تمالأ المشركون على قتله، منعًا له من الدعوة إلى الحق، كما أوصلوا إليه ما لا يحتمله غيره من الأذى، وفي هذا عبرة لمن دعا إلى دينه أن يصبر على أذى المدعوين، حتى يخشى على نفسه الهلاك فيفر بدينه إلى حيث يرجو أن تثمر دعوته.
فحيثما كان العبد في مكان لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله.
فهجرة الموحدين المضطهدين بدينهم في كل زمان ومكان ليست هروبًا ولا نكوصًا ولا هزيمة، إنما هو تربص بأمر الله، حتى يأتي أمر الله.
فقد خرج أصحاب الكهف من الدنيا على رحابتها إلى كهف ضيق فرارًا بدينهم، واعتزالاً للشر وأهله، وخروجًا من الواقع السيئ، وطلبًا للسلامة، فكانت هجرتهم محمودة ومشروعة، وكذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم هاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة تاركين أوطانهم وأرضهم وديارهم وأهاليهم، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين.
 
3- العقيدة هي الدافع والأساس:
أثبتت الهجرة النبوية أن الدعوة والعقيدة يتنازل لهما عن كل حبيب وعزيز وأليف وأنيس، وعن كل ما جبلت الطباع السليمة على حبه وإيثاره والتمسك به والتزامه، ولا يتنازل عنهما لشيء.
وقد كانت مكة- فضلاً عن كونها مولدًا ومنشأ للرسول  صلى الله عليه وسلم وأصحابه- مهوى الأفئدة والقلوب ففيها الكعبة البيت الحرام الذي جرى حبه منهم مجرى الروح والدم، ولكن شيئًا من ذلك لم يمنعه وأصحابه من مغادرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن حين ضاقت الأرض على هذه الدعوة والعقيدة وتنكر لها أهلها، وقد تجلت هذه العاطفة المزدوجة عاطفة الحنين الإنساني وعاطفة الحب الإيماني في كلمته التي قالها مخاطبًا مكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". {صحيح الترمذي}. وذلك عملاً بقوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ){العنكبوت}.
 
4-معية الله وحفظه وتأييده لأنبيائه وأوليائه:
قال الله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) {التوبة: 40}، فالله عز وجل أرحم بنبيه وصاحبه من أن يجعلهما نهبًا لعدوهما، كما تؤكد الآية كذلك حماية الله لنبيه  صلى الله عليه وسلم ونصره وتأييده حين تخلت عنه قوة الأرض، والجنود التي يخذل بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإن كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في فخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش عظيم.
فتعمية أبصار المشركين عن رؤية النبي  صلى الله عليه وسلم وصاحبه في غار "ثور" وهم عنده، مثل تخشع له القلوب من أمثلة عناية الله بأنبيائه ورسله ودعاته وأحبائه، فما كان الله ليوقع رسوله صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين، فيقضوا عليه وعلى دعوته، وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وليس في نجاة الرسول  صلى الله عليه وسلم وصاحبه بعد أن أحاط بهما المشركون في غار ثور إلا تصديق قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) {غافر: 51}، وقوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا ){الحج 38}.
 
5- يتجلى في الهجرة بروز عنصر التخطيط وأهميته في حياة المسلمين:
فكان الهدف محددًا والوسائل كذلك والعقبات مأخوذة بالحسبان واختيار الطريق والمكان والتموين ومن يحمل الأخبار والدليل، كل ذلك مُؤَمَّنٌ مع إحاطة ذلك بالسرية والحيطة والحذر، وكل ذلك ينبئ عن تخطيط وتنظيم وترتيب لا مثيل له.
فالأخذ بالأسباب مطلوب ومشروع ولا ينافي ذلك الإيمان والتوكل على الله، فعدم الأخذ بالأسباب قدح في التشريع، والاعتماد على الأسباب قدح في التوحيد، لذلك فإن النبي  صلى الله عليه وسلم قد أحكم خطة هجرته وأعد عدته، فأعد الراحلتين وترك عليًا مكانه، وسلك الطريق الجنوبي للتغرير بالمشركين، واستأجر ماهرًا خبيرًا يدله على الطريق، وكانت أسماء رضي الله عنها تأتيهما بالطعام، ودخل غار ثور، فعل ذلك وهو النبي المؤيد من ربه.
فشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة أن يقوم بها كأنها كل شيء في الحياة، ثم يتوكل بعد ذلك على الله، لأن كل شيء لا قيام له إلا بإذن الله، فإذا استفرغ المرء جهده في أداء واجبه فأخفق بعد ذلك، فإن الله لا يعاقبه على هزيمة بلي بها، وكثيرًا ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيبًا حسنًا، ثم يجيء عون الله أعلى فيجعل هذا النصر مضاعف الثمار.
 
6- التضحية والفداء:
ومن دروس الهجرة: أن الجندي الصادق المخلص لدعوة الإصلاح يفدي قائده بحياته، ففي سلامة القائد سلامة للدعوة، وفي هلاكه خذلانها ووهنها، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة في بياته على فراش رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم تضحية بحياته في سبيل الإبقاء على حياة رسول اللَّه ؛ إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه انتقامًا منه، لأنه سهل للرسول  صلى الله عليه وسلم النجاة، ولكن عليا لم يبال بذلك، فحسبه أن يسلم رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم.
وكذلك موقف أبي بكر رضي الله عنه، فقد تجلى من معاملته لرسول الله  صلى الله عليه وسلم الحب الصادق والتضحية بالنفس، وتجلى هذا في دخول الغار وعند الخروج منه وفي الطريق حينما كان يمشي تارة خلفه، وتارة أمامه، وتارة عن يمينه.
وهذه أمثلة في التضحية والفداء يندر أن نرى لها في الدنيا نظيرًا، ولكنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
 
7- مظاهر محبة النبي  صلى الله عليه وسلم واستقبال أهل المدينة له:
تكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالاً ونساءً وأطفالاً.
قال ابن القيم رحمه الله واصفًا هذه المشاعر النبيلة:" وبلغ الأنصار مخرج رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم من مكة، وقصده المدينة، وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر الشمس، رجعوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة، خرجوا على عادتهم، فلما حمي حر الشمس رجعوا، وصعد رجلٌ من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شانه فرأى رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مُبيَّضين، يزول بهم السراب، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم ، وسُمعت الرجة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبّر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مُطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه: (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) {التحريم: 4}. "{زاد المعاد 3-52}
 
8- الأخوة الصادقة :
قال تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) {الحشر: 9}.
ففي مؤاخاة الرسول  صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية البناءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، فجاءوا إلى المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم، فكان أن حمل الأخ أخاه، واقتسم معه سراء الحياة وضراءها، وأنزله في بيته، وأعطاه شطر ماله، فأية أخوة في الدنيا تعدل هذه الأخوة.
لذلك أثنى رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم على الأنصار ثناءً عظيمًا بعد ثناء الله عليهم فقال: "لولا الهجرة لكنت امرءً من الأنصار".  وقال أيضًا: "لو سلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم". 
 
9- الهجرة والإصلاح المنشود:
قال العلامة محب الدين الخطيب: لو أننا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة، وعلمنا أن كتاب الله الذي نتلوه قد أنحى باللائمة على جماعة من أصحاب رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم كانوا في مكة يصلون ويصومون ولكنهم ارتضوا البقاء تحت جناح أنظمة تخالف الإسلام، فلا قوة لهم على تغييرها، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا من جنوده، لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة
والصوم، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا شرائعه وآدابه في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم، ومجامعهم ودواوين حكمهم، وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع الوسائل المشروعة لتحقيق هذا الغرض الإسلامي بادئين به من البيت وملاحظين ذلك في تربية من تحت أمانتهم من بنين وبنات، ومتعاونين عليه مع من ينشد للإسلام الرفعة والازدهار من إخوانهم، حتى إذا عم هذا الإصلاح أرجاء واسعة تلاشت تحت أشعته ظلمات الباطل، فكان لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل هذه الآثار التي كانت لهجرة النبي  صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأولين.
روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه عن أبي عثمان النهدي أن مجاشع بن مسعود السلمي قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول اللَّه  صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فقلت: يا رسول الله، بايعه على الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: "قد مضت الهجرة بأهلها". قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ قال: على الإسلام والجهاد والخير. قال أبو عثمان النهدي: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال: صدق.
 
دروس وعبر تضيء الطريق للأمة :
لا احد ينكر أن لهذا الحدث العظيم دروس وعبر لابد ان يقف عندها كل مسلم ،ليتعلم منها ويتمعن في النظر اليها لتكون له نورا ونبراسا في حياته .
 
1-إخلاص العمل لله الواحد الأحد:
ويتجلي هذا الدرس في قوله  صلى الله عليه وسلم حينما هم بالرحيل من مكة "إنك من أحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا طبيعي فيها نشأ  صلى الله عليه وسلم وترعرع، وفيها نزل عليه  الوحي، ولكن رغم ذلك لم يستكين إلى حبها وفضل حب الله عز وجل ورضاه ودعا ربه" اللهم وقد أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك". وهذا درس بليغ.
 
2-الثقة بالله في السراء والضراء :
ونرى ذلك حينما خرج  صلى الله عليه وسلم  من مكة مكرهاً فلم يجذع، ولم يذل، ولم يفقد ثقته بربه، ولما نصره الله سبحانه وتعالى بالإسلام وظهور المسلمين لم يزده زهوا وغرورا ؛ فعيشته يوم أخرج من مكة كارهاً كعيشته يوم دخلها فاتحاً ظافراً، وعيشته يوم كان في مكة يلاقي الأذى من سفهاء الأحلام كعيشته يوم أطلت رايته البلاد العربية، وأطلت على ممالك قيصر ناحية تبوك.
 
3- اليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين:
فالذي ينظر في الهجرة بادئ الرأي يظن أن الدعوة إلى زوال واضمحلال. ولكن الهجرة في حقيقتها تعطي درساً واضحاً في أن العاقبة للتقوى وللمتقين. فالنبي  صلى الله عليه وسلم يعلّم بسيرته المجاهد في سبيل الله الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل، ولا يهن في دفاعهم وتقويم عوجهم، ولا يهوله أن تقبل الأيام عليهم، فيشتد بأسهم، ويجلبوا بخيلهم ورجالهم؛ فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون.
 
4- ثبات أهل الإيمان في المواقف الحرجة:
ذلك في جواب النبي  صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه لمّا كان في الغار. وذلك لما قال أبو بكر: والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لأبصرنا. فأجابه النبي  صلى الله عليه وسلم مطمئناً له: " ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ".
فهذا مثل من أمثلة الصدق والثبات، والثقة بالله، والإتكال عليه عند الشدائد، واليقين بأن الله لن يتخلى عنه في تلك الساعات الحرجة، هذه حال أهل الإيمان، بخلاف أهل الكذب والنفاق؛ فهم سرعان ما يتهاونون عند المخاوف وينهارون عند الشدائد، ثم لا نجد لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.
 
5-ملازمة الصبر في جميع أعمالنا:
قد كان هيناً على الله عز وجل أن يصرف الأذى عن النبي  صلى الله عليه وسلم جملة، ولكنها سنة الابتلاء يؤخذ بها النبي الأكرم؛ ليستبين صبره، ويعظم عند الله أجره، وليعلم دعاة الإصلاح كيف يقتحمون الشدائد، ويصبرون على ما يلاقون من الأذى صغيراً كان أم كبيراً.
 
6-تعظيم لدور المرأة في الاسلام :
قد لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد : منها عائشة بنت أبي بكر الصديق التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلغتها للأمة ، وأم سلمة المهاجرة الصبور ، وأسماء ذات النطاقين التي ساهمت في تموين الرسول  صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله ؟ فقد حدثتنا عن ذلك فقالت : لما خرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشاً خبيثاً ـ فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا.
فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين من الأعداء ، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟ وأما درسها الثاني البليغ ، فعندما دخل عليها جدها أبو قحافة ، وقد ذهب بصره، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه ، فقال: لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها ، وسكنت قلب جدها الضرير ، من غير أن تكذب ، فإن أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار التي كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج ، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال ، وورثهم يقيناً وثقه به لا حد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور ، ولا تلتفت إلى سفاسفها ، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عز أن يتكرر ، وقل أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هن في أمس الحاجة إلى الاقتداء به، والنسج على منواله .
وظلت أسماء مع إخوتها في مكة ، لا تشكو ضيقاً ، ولا تظهر حاجة ، حتى بعث النبي  صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد ، وأم بركة المكناة بأم أيمن ، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ، فيهم عائشة وأسماء ، فقدموا المدينة ، فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.
 
7-تعظيم دور الشباب في نصرة الحق:
ويتجلى ذلك في الدور الذي قام به علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين نام في فراش النبي  صلى الله عليه وسلم  ليلة الهجرة. ويتجلى من خلال ما قام به عبد الله بن أبي بكر؛ حيث كان يستمع أخبار قريش، ويزود بها النبي  صلى الله عليه وسلم وأبا بكر.
 
 
فوائد ودروس من الهجرة :
1ـ الإيمان بالمعجزات الحسية :
وفي هجرة النبي  صلى الله عليه وسلم وقعت معجزات حسية، وهي دلائل ملموسة على حفظ الله ورعايته لرسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك ـ على ما روي ـ نسيج العنكبوت على فم الغار ، ومنها ما جرى لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  مع أم معبد ، وما جرى له مع سراقة، ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى، فعلى الدعاة أن لا يتنصلوا من هذه الخوارق، بل يذكروها ما دامت ثابتة بالسنة النبوية، على أن ينبهوا الناس على أن هذه الخوارق هي من جملة دلائل نبوته ورسالته عليه السلام.
 
2 ـ جواز الاستعانة بالكافر المأمون :
ويجوز للدعاة أن يستعينوا بمن لا يؤمن بدعوتهم ما داموا يثقون بهم ويأتمنوهم على ما يستعينون به معهم ، فقد رأينا أن النبي  صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا مشركاً ليدلهم على طريق الهجرة ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه عند غار ثور، وهذه أمور خطيرة أطلعاه عليها ، ولا شك أن النبي  صلى الله عليه وسلم وصاحبه وثقا به وأمناه ، مما يدل على أن الكافر أو العاصي أو غير المنتسب إلى الدعاة قد يوجد عند هؤلاء ما يستدعي وثوق الدعاة بهم ، كأن تربطهم رابطة القرابة أو المعرفة القديمة أو الجوار أو عمل معروف كان قد قدمه الداعية لهم . أو لأن هؤلاء عندهم نوع جيد من الأخلاق الأساسية مثل الأمانة وحب عمل الخير إلى غير ذلك من الأسباب ، والمسألة تقديرية يترك تقديرها إلى فطنة الداعي ومعرفته بالشخص.
 
3 ـ أد الأمانة إلى من ائتمنك :
كانت أمانات وودائع المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويزعمون أنه ساحر أو مجنون أو كذاب لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً ، فكانوا لا يضعون حوائجهم ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده! وهذا يدل على أن كفرهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه ، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به ، وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم .
وفي أمر الرسول  صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه بتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكة ، رغم هذه الظروف الشديدة التي كان من المفروض أن يكتنفها الاضطراب ، بحيث لا يتجه التفكير إلا إلى إنجاح خطة هجرته فقط، رغم ذلك فإن الرسول  صلى الله عليه وسلم ما كان لينسى أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كان في أصعب الظروف التي تنسي الإنسان نفسه فضلاً عن غيره.
 
4 ـ اليد العليا  خير من اليد السفلى :
لم يقبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم أن يركب الراحلة حتى أخذها بثمنها من أبي بكر رضي الله عنه واستقر الثمن ديناً بذمته ، وهذا درس واضح بأن حملة الدعوة ما ينبغي أن يكونوا عالة على أحد في وقت من الأوقات ، فهم مصدر العطاء في كل شيء .
إن يدهم إن لم تكن العليا فلن تكن السفلى ، وهكذا يصر عليه السلام أن يأخذها بالثمن وسلوكه ذلك هو الترجمة الحقة لقوله تعالى: (وما أسالكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) (سورة الشعراء: الآية 109) .
إن الذين يحملون العقيدة والإيمان ويبشرون بهما ما ينبغي أن تمتد أيديهم إلى أحد ـ إلا الله ـ لأن هذا يتناقض مع ما يدعون إليه وقد تعود الناس أن يعوا لغة الحال لأنها أبلغ من لغة المقال ، وما تأخر المسلمون وأصابهم ما أصابهم من الهوان إلا يوم أصبحت وسائل الدعوة والعاملين بها خاضعة للغة المادة ، ينتظر الواحد منهم مرتبه ، ويومها تحول العمل إلى عمل مادي فقد الروح والحيوية والوضاءة .
إن الصوت الذي ينبعث من حنجرة وراءها الخوف من الله والأمل في رضاه غير الصوت الذي ينبعث ليتلقى دراهم معدودة ، فإذا توقفت توقف الصوت، وقديماً قالوا: ليست النائحة كالثكلى ولهذا قلَّ التأثيرُ وبعدَ الناسُ عن جادَّةِ الصوابِ.
 
5 ـ عفة الداعية عن أموال الناس :
لما عفا النبي  صلى الله عليه وسلم عن سراقة عرض عليه سراقة المساعدة فقال: (وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لي فيها).
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ ، قَالَ : ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ ".
فحين يزهد الدعاة فيما عند الناس يحبهم الناس ، وحين يطمعون في أموال الناس ينفر الناس عنهم ، وهذا درس بليغ للدعاة إلى الله تعالى.
 
6 ـ حسن القيادة والرفق في التعامل :
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله  صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى  صلى الله عليه وسلم وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص ، لم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية ، أو رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع ، ومن أسباب هذا الحب لرسول الله  صلى الله عليه وسلم صفاته القيادية الرشيدة ، فهو يسهر ليناموا ، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا ، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ، فمن سلك سنن الرسول  صلى الله عليه وسلم مع صحابته ، في حياته الخاصة والعامة ، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وكان عمله لوجه الله أصابه من هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام.
وصدق الشاعر عندما قال :
     فإذا أحب الله باطن عبده *.*  ظهرت عليه مواهب الفتاح
      وإذا صفت لله نية مصلح *.* مال العباد عليه بالأرواح
إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها ، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود ، فقد كان  صلى الله عليه وسلم رحيماً وشفوقاً بجنوده وأتباعه ، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفين والمفتونين ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة.
 
 
كيف نهاجر إلى الله ورسوله؟
الهجرة سلوك إيماني جهادي اختياري حسي ومعنوي، شامل لكلية المؤمن وممتد في الزمان، يستجيب لأمر الله، ولا يريد إلا وجهه "إني مهاجر إلى ربي" فهي هجرة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.هي استجابة لنداء الله تعالى لرسوله وللمومنين معه. استجابة لا يعبأ بها إلا "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"، الذين سبق لهم من الله التوفيق والهداية وبرهنوا على صدقهم بالبذل والاستقامة. حتى تكون هوية الهجرة هي العبودية لله تعالى.

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.