البحث
إعلان
القنوات
التقويم
« أكتوبر 2019 »
أح إث ث أر خ ج س
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
التغذية الإخبارية

اِسْـتـمـتِـعْ بـِحـَيـاتـِك (الجزء 13)

 

البسملة والسلام وعبارات اسلامية جميل لتضعها موضوعك

نواصل معكم زوارنا الكرام نشر كتاب

 

alt 

للدكتور محمد العريفي حفظه الله

 والذي تحدث فيه عن

 مهارات وفنون التعامل مع الناس 

 في ظل السيرة النبوية 

 وقضايا اجتماعية هامة

 

 

 

الجزء الثالث عشر:

 

46-  مشاكل ليس لها حل

كم ترى من الناس غاضباً وهو يقود سيارته ..

وربما ضرب بيديه على مقودها .. وردد .. أوووه دائماً زحمة .. زحمة ..

أو قد تراه يمشي في الطريق .. ولا يحتمل أن يكلمه أحد .. بل متضايق أشد الضيق .. ويردد : أوووف حر شديد ..!!

وربما كنت زميلاً له في مكتب واحد .. تبتلى برؤيته كل يوم .. ويشغلك كلما جلس .. " يا أخي العمل كثير .. أوووه إلى متى ما يزيدون رواتبنا " .. ويدخل عابساً .. ويخرج ساخطاً ..

وربما أكثر التشكي من آلام بدنه .. أو إعاقة ولده ..

لا بد أن نقتنع جميعاً أننا تواجهنا في حياتنا مشاكل ليس لها حل .. فلا بد أن نتعامل معها بأريحية ..

قال : السماء كئيبة وتجهما 

                  قلت : ابتسم ، يكفي التجهم في السما!

قال : الصبا ولى ! فقلت له : ابتسم 

                  لن يرجع الأسف الصبا المتصرما

قال : التي كانت سمائي في الهوى 

                  صارت لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملكتها

                  قلبي فكيف أطيق أن أتبسما

قلت : ابتسم واطرب فلو قارنتها

                  قضيت عمرك كله متألما

قال : العدى حولي علت صيحاتهم

                  أَأُسَرُّ والأعداء حولي في الحمى

قلت : ابتسم ، لم يطلبوك بذمهم

                  لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما!

قال : الليالي جرعتني علقماً

                  قلت : ابتسم ولئن جرعت العلقما

فلعل غيرك إن رآك مُرَنِّـماً

                  طرح الكآبة خلفه وترنما

أتراك تغنم بالترنم درهماً

                  أم أنت تخسر بالبشاشة مغنماً

فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى 

                  متلاطم ولذا نحب الأنجما ([1]..

 

نعم استمتع بحياتك ..

انتبه أن تكون ظروفك مؤثرة على سلوكك .. في عملك .. أولادك .. زملائك ..

فما ذنبهم أن يتعذبوا بأمور ليس هم طرفاً فيها .. ولا يملكون حلها ؟

لا تجعلهم إذا رأوك .. أو ذكروك . ذكروا معك الهم والحزن ..

لذا نهى صلى اله عليه وسلم عن النياحة على الميت .. والصراخ .. وشق الجيب .. وحلق الشعر .. و ..

لماذا ؟

لأن التعامل مع الموت يكون بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. والدعاء له ..

أما الصراخ والعويل فلا ينفع شيئاً .. سوى أنه يقلب متعة الحياة إلى أحزان ..

مشى المعافى بن سليمان مع صاحب له .. فالتفت إليه صاحبه عابساً وقال : ما أشد البرد اليوم ؟

فقال المعافى : أستدفأت الآن ؟

قال : لا ..

قال : فماذا استفدت من الذم ؟ لو سبّحت لكان خيراً لك ..

عش حياتك ..

لا تنقب عن المشكلات .. ولا تدقق في صغائر الأمور .. وإنما استمتع بحياتك ..

 

47-  لا تقتل نفسك بالهم

كان أحد طلابي في الجامعة ..

غاب أسبوعاً كاملاً .. ثم لقيته فسألته : سلامات .. سعد ..؟

قال : لا شيء .. كنت مشغولاً قليلاً ..

كان الحزن واضحاً عليه ..

قلت : ما الخبر ؟

قال : كان ولدي مريضاً .. عنده تليف في الكبد .. وأصابه قبل أيام تسمم في الدم .. وتفاجأت أمس أن التسمم تسلل إلى الدماغ ..

قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. اصبر .. وأسأل الله أن يشفيه ..

وإن قضى الله عليه بشيء .. فأسأل الله أن يجعله شافعاً لك يوم القيامة ..

قال : شافع ؟ يا شيخ .. الولد ليس صغيراً ..

قلت : كم عمره ؟

قال : سبع عشرة سنة ..

قلت : الله يشفيه .. ويبارك لك في إخوانه ..

فخفض رأسه وقال : يا شيخ .. ليس له إخوان .. لم أُرْزق بغير هذا الولد .. وقد أصابه ما ترى ..

قلت له : سعد .. بكل اختصار .. لا تقتل نفسك بالهم .. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ..

ثم خففت عنه مصابه وذهبت ..

نعم لا تقتل نفسك بالهم .. فالهم لا يخفف المصيبة ..

أذكر أني قبل فترة .. ذهبت إلى المدينة النبوية ..

التقيت بخالد .. قال لي : ما رأيك أن نزور الدكتور : عبد الله ..

قلت : لماذا .. ما الخبر ؟

قال : نعزيه ..

قلت : نعزيه ؟!!

قال : نعم .. ذهب ولده الكبير بالعائلة كلها لحضور حفل عرس في مدينة مجاورة .. وبقي هو في المدينة لارتباطه بالجامعة ..

وفي أثناء عودتهم وقع لهم حادث مروع .. فماتوا جميعاً  .. احدى عشر نفساً !!

كان الدكتور رجلاً صالحاً قد جاوز الخمسين .. لكنه على كل حال .. بشر .. له مشاعر وأحاسيس ..

في صدره قلب .. وله عينان تبكيان .. ونفس تفرح وتحزن ..

تلقى الخبر المفزع .. صلى عليهم .. ثم وسدهم في التراب بيديه .. إحدى عشر نفساً ..

صار يطوف في بيته حيران .. يمر بألعاب متناثرة .. قد مضى عليها أيام لم تحرك .. لأن خلود وسارة اللتان كانتا تلعبان بها .. ماتتا ..

يأوي إلى فراشه .. لم يرتب .. لأن أم صالح .. ماتت ..

يمر بدراجة ياسر .. لم تتحرك .. لأن الذي كان يقودها .. مات ..

يدخل غرف ابنته الكبرى .. يرى حقائب عرسها مصفوفة .. وملابسها مفروشة على سريرها .. ماتت .. وهي ترتب ألوانها وتنسقها ..

سبحان من صبّره .. وثبت قلبه ..

كان الضيوف يأتون .. معهم قهوتهم .. لأنه لا أحد عنده يخدم أو يُعين ..

العجيب أنك إذا رأيت الرجل في العزاء .. حسبت أنه أحد المعزين .. وأن المصاب غيره ..

كان يردد .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. لله ما أخذ وله ما أعطى .. وكل شيء عنده بأجل مسمى ..

وهذا هو قمة العقل .. فلو لم يفعل ذلك .. لمات هماً ..

أعرف أحد الناس أراه دائماً سعيد .. وإذا تأملت حاله وجدت :

وظيفته متواضعة

بيته وضيق .. إيجار ..

سيارته قديمة ..

أولاده كثيرون ..

ومع ذلك كان  دائم الابتسامة .. محبوباً .. يعيش حياته ..

صحيح .. لا يقتل نفسه بالهم ..

ولا تكثر التشكي..فيملّك الناس..

عنده ولد معوق .. ولدي مريض .. ضايق صدري .. يا أخي مسكين ولدي .. خلاص فهمنا ..

راتبي قليل ..

امرأة مع زوجها : بيتنا قديم .. سيارتنا متهالكة .. ثيابي ليست على الموضة ..

أفنيت يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن

وظللت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن

إن لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن

 

إضاءة

عش حياتك بما بين يدك من معطيات .. لتسعد

 

48-   ارض بما قسم الله لك

كنت في رحلة إلى أحد البلدان لإلقاء عدد من المحاضرات ..

كان ذلك البلد مشهوراً بوجود مستشفى كبير للأمراض العقلية ..أو كما يسميه الناس "مستشفى المجانين" ..

ألقيت محاضرتين صباحاً .. وخرجت وقد بقي على أذان الظهر ساعة ..

كان معي عبد العزيز .. رجل من أبرز الدعاة ..

التفت إليه ونحن في السيارة .. قلت : عبد العزيز .. هناك مكان أود أن أذهب إليه ما دام في الوقت متسع ..

قال : أين ؟ صاحبك الشيخ عبد الله .. مسافر .. والدكتور أحمد اتصلت به ولم يجب .. أو تريد أن نمر المكتبة التراثية .. أو ..

قلت : كلا .. بل : مستشفى الأمراض العقلية ..

قال : المجانين !! قلت : المجانين ..

فضحك وقال مازحاً : لماذا .. تريد أن تتأكد من عقلك ..

قلت : لا .. ولكن نستفيد .. نعتبر .. نعرف نعمة الله علينا ..

سكت عبد العزيز يفكر في حالهم .. شعرت أنه حزين .. كان عبد العزيز عاطفياً أكثر من اللازم ..

أخذني بسيارته إلى هناك ..

أقبلنا على مبنى كالمغارة..الأشجار تحيط به من كل جانب..كانت الكآبة ظاهرة عليه..

قابلنا أحد الأطباء .. رحب بنا ثم أخذنا في جولة في المستشفى ..

أخذ الطبيب يحدثنا عن مآسيهم .. ثم قال :

وليس الخبر كالمعاينة ..

دلف بنا إلى أحد الممرات .. سمعت أصواتاً هنا وهناك ..

كانت غرف المرضى موزعة على جانبي الممر ..

مررنا بغرفة عن يميننا .. نظرت داخلها فإذا أكثر من عشرة أسرة فارغة .. إلا واحداً منها قد انبطح عليه رجل ينتفض بيديه ورجليه ..

التفتُّ إلى الطبيب وسألته : ما هذا !!

قال : هذا مجنون .. ويصاب بنوبات صرع .. تصيبه كل خمس أو ست ساعات ..

قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. منذ متى وهو على هذا الحال ؟

قال :منذ أكثر من عشر سنوات ..كتمت عبرة في نفسي .. ومضيت ساكتاً ..

بعد خطوات مشيناها .. مررنا على غرفة أخرى .. بابها مغلق .. وفي الباب فتحة يطل من خلالها رجل من الغرفة .. ويشير لنا إشارات غير مفهومة ..

حاولت أن أسرق النظر داخل الغرفة .. فإذا جدرانها وأرضها باللون البني ..

سألت الطبيب : ما هذا ؟!! قال : مجنون ..

شعرت أنه يسخر من سؤالي .. فقلت : أدري أنه مجنون .. لو كان عاقلاً لما رأيناه هنا .. لكن ما قصته ؟

فقال : هذا الرجل إذا رأى جداراً .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله .. وأحياناً برأسه ..

فيوماً تتكسر أصابعه .. ويوماً تكسر رجله .. ويوماً يشج رأسه .. ويوماً .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى .. جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنج .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيب .. ومضى أمامنا ماشياً ..

أما أنا وصاحبي عبد العزيز .. فظللنا واقفين نتمتم : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به

ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..

حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلاً .. كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت .. وهذا يرقص ..

وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي .. وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..

تعجبت وسألت الطبيب : ما هؤلاء ؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين ؟

فقال : هؤلاء إذا رأوا شيئاً أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ .. والمكيفات .. والأبواب ..

لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..

قلت وأنا أدافع عبرتي : منذ متى وهم على هذا الحال ؟

قال : هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد .. لم يمض له إلا خمس سنين !!

خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم .. وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم ..

سألته : أين باب الخروج من المستشفى ؟

قال : بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..

وأخذ بيدي إلى غرفة كبيرة .. فتح الباب ودخل .. وجرني معه ..

كان ما في الغرفة شبيهاً بما رأيته في غرفة سابقة .. مجموعة من المرضى .. كل منهم على حال .. راقص .. ونائم ..

و .. و .. عجباً ماذا أرى ؟؟

رجل جاوز عمره الخمسين .. اشتعل رأسه شيباً .. وجلس على الأرض القرفصاء .. قد جمع جسمه بعضه على بعض .. ينظر إلينا بعينين زائغتين .. يتلفت بفزع ..

كل هذا طبيعي ..

لكن الشيء الغريب الذي جعلني أفزع .. بل أثور .. هو أن الرجل كان عارياً تماماً ليس عليه من اللباس ولا ما يستر العورة المغلظة ..

تغير وجهي .. وامتقع لوني .. والتفت إلى الطبيب فوراً .. فلما رأى حمرة عيني ..

قال لي .. هدئ من غضبك .. سأشرح لك حاله ..

هذا الرجل كلما ألبسناه ثوباً عضه بأسنانه وقطعه .. وحاول بلعه .. وقد نلبسه في اليوم الواحد أكثر من عشرة ثياب .. وكلها على مثل هذا الحال ..

فتركناه هكذا صيفاً وشتاءً .. والذين حوله مجانين لا يعقلون حاله ..

خرجت من هذه الغرفة .. ولم أستطع أن أتحمل أكثر .. قلت للطبيب : دلني على الباب .. للخروج ..

قال : بقي بعض الأقسام ..

قلت : يكفي ما رأيناه ..

مشى الطبيب ومشيت بجانبه .. وجعل يمر في طريقه بغرف المرضى .. ونحن ساكتان ..

وفجأة التفت إليّ وكأنه تذكر شيئاً نسيه .. وقال :

يا شيخ .. هنا رجل من كبار التجار .. يملك مئات الملايين .. أصابه لوثة عقلية فأتى به أولاده وألقوه هنا منذ سنتين ..

وهنا رجل آخر كان مهندساً في شركة .. وثالث كان ..

ومضى الطبيب يحدثني بأقوام ذلوا بعد عز .. وآخرين افتقروا بعد غنى .. و ..

أخذت أمشي بين غرف المرضى متفكراً ..

سبحان من قسم الأرزاق بين عباده ..

يعطي من يشاء .. ويمنع من يشاء ..

قد يرزق الرجل مالاً وحسباً ونسباً ومنصباً .. لكنه يأخذ منه العقل .. فتجده من أكثر الناس مالاً .. وأقواهم جسداً .. لكنه مسجون في مستشفى المجانين ..

التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.